ثورة أون لاين- بقلم رئيس التحرير علــي قـاســـم
يفتح السوريون دفاترهم القديمة بحثاً عمّا سطروه في ذكريات الجلاء، وهم أكثر يقيناً بأن القادم من الأيام متخم بلائحة التحديات القائمة التي تفرض في جزء كبير مواجهات مفتوحة

مع منظومة العدوان، التي تتعدد تراتبية الأدوار فيها، وتتوازع مهامها في المنطقة وخارجها، وقد خبروا بتجاربهم الكثير من تلك الوجوه العدوانية مع الإضافات التي جاءت تقدم خدماتها المجانية لقوى الاستعمار الغربي من أدوات وتنظيمات إرهابية ومرتزقة.‏

فالقائمة تطول.. والاحتمالات تتعدد، حتى إن الكثير منها يبدو ملتبساً وحمال أوجه، في ظل تباكٍ يكاد يرسم خطوطاً مغلقة على ذاتها من الأحجيات والألغاز، التي تزيد من تعقيد المناخ السياسي القائم في المنطقة وخارجها، حيث ترتسم ملامح المواجهة العالمية على المنصات الأممية، بينما الوقائع والمخاطر والحروب وتبعاتها وارتداداتها تحتكر ذاتها ومشاهدها على امتداد المنطقة التي لم تصل في أي يوم إلى الدرك الذي تواجهه، ولم تكن في يوم من الأيام الحراب الأعرابية والكثير من العربية توجه سهامها وطعناتها لتكون مختلفة مع تاريخها، ومتناقضة مع وجودها ووجدانها والنبض التائة في عروق غاب عنها الدم، وابتلعت ألسنتها إلا بما يتوافق مع الهيمنة الأميركية وذيولها الاستعمارية، التي توقظ أطماعها بشراهة غير مسبوقة، ويلتئمون في قمة الهوان وفي مملكة الهوان وفي زمن الهوان.‏

من الصعب في حال من الأحوال أن تكون المقارنة متاحة بين فجر الخامس عشر من نيسان 2018 وفجر السابع عشر من نيسان عام 1946، ومع ذلك يعيد السوريون هذه المقارنة مع بوابات الصراع الذي يستهدفهم في وجودهم حاضراً ومستقبلاً، حيث الاستعمار في ذلك الحين كان له سماته وخصائصه ومفرداته وأدواته، واليوم يضيف في عدده وعديده من أدوات ومرتزقة وإرهابيين، ويراكم هذا الكمّ من دويلات ومشيخات وأشباه دول، ابتداءً من المملكة الوهابية، وليس انتهاء بالكنف الأردني، مروراً بدولة قطر العظمى والإمبراطوريات الإماراتية الكبرى وصولاً إلى مملكة البحرين العظمى.. وما استجد على اللائحة من عرب وأعراب ومثيلهم جنوباً وشمالاً على امتداد عربي فقد هويته وملامحه وتاريخه ووجوده وكيانه.‏

لا يعتب السوريون عليهم ولا يعاتبون.. فالعتب يعطيهم قيمة يفتقدونها.. لا ينتظر السوريون.. وليسوا بوارده اليوم ولا غداً كما كانوا بالأمس.. يمضون في معركة الإرادة واليقين الذي حملوه من فجر التاريخ.. حين كانت أولى بصمات الحضارة التي تشكلت على ضفاف أنهرهم وشواطئ سواحلهم وبين هضاب سهولهم وفيافي بياديهم.. لم يراهنوا لأنهم لم يرتهنوا ولم يعوّلوا، لأنهم لم يعتادوا التعويل إلا على ذاتهم وطاقاتهم وإمكاناتهم ومن معهم من أصدقاء وحلفاء وأشقاء، عبَّدوا معهم طريق النضال والمجابهة، وسطروا بطولاتهم، وقدموا تضحياتهم وامتزجت على التراب السوري دماؤهم، وما عداهم لم يكونوا في عداد الحاضرين أو المسجلين في قوائم الوجود، بل كانوا هناك في كفة الأعداء والخونة والمتآمرين والمعتدين والقتلة وسفاكي الدماء، مع تجار السياسة المتآمرين في سبيل المال.‏

الجلاء السوري تحقق بإرادة السوريين.. ببطولاتهم وتضحياتهم، بمقاومتهم للاستعمار ورفضهم لكل أشكال محاولات تفتيتهم تحت مسميات وعناوين كانت بالمضمون ذاته، حتى ولو اختلفت التسميات.. والجلاء السوري كان نقطة انعطاف في تاريخ المنطقة وتحولاً كبيراً في المجابهة، وإيذاناً بنهاية الاستعمار القديم، ولو استغرق بعض الحين.. واليوم يرسمون بإرادتهم وصمودهم ملامح المرحلة بعناوين البطولة والفداء والتضحية.. ويقدمون للبشرية دوراً تاريخياً وحضارياً، ويسهمون في تدشين مرحلة ستكون الانعطافة الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية، وإيذاناً ببزوغ فجر النظام العالمي الذي تنتظره الشعوب للخلاص من ربقة الهيمنة وتجار المال وأصحاب النزعات الاستعمارية.‏

بين الأمس واليوم عقود طويلة مرت من الزمن.. وتحولات كبرى في التاريخ والجغرافيا والسياسة، ومنعطفات حادة وحروب ونزاعات وتحالفات وصراعات تعددت أشكالها ونماذجها.. لكن في معيار الشعوب يبقى فقط جولة إعادة، وإن لم يكن من زاوية التاريخ يعيد نفسه.. وفي يقين السوريين أنها جولة من جولات الصراع ومعركة في حرب طويلة، سيكتبون في النهاية خلاصتها ونتائجها، ويحددون بكثير من الثقة خرائطها وإحداثياتها.‏

فالمنتصر وحده يرسم الخرائط.. والسوريون يجددون انتصارهم.. بانتظار خرائطهم وإحداثياتهم.. ليس في الجغرافيا فقط، بقدر ما هي في السياسة.. وفي النظام العالمي الجديد والعلاقات الدولية أيضاً.‏

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث