ثورة أون لاين - بقلم رئيس التحرير علي قاسم:

تبدو جولة وزير الخارجية الأميركي تيلرسون متخمة بالأجندات، التي يغلب عليها طابع التعثر مسبقاً، بحكم أنه من الصعب أن يجد ما يكفي من الوقت للغوص في تفاصيل تتفوق في أهميتها على العناوين الكبرى التي يفترض أن تطرحها بدءاً من إشكالية الدور الأميركي والوجود العسكري..
وليس انتهاء بالدور السياسي، الذي بات بحكم الضرورة أمام مساءلة تتناول الأبعاد والمهمات والوظائف التي تحكم هذا الدور وذلك الوجود، في ظل حديث إسرائيلي ملغّم عن اختفاء الدور الأميركي، وحضور روسي يتحكم بمفاتيح الوضع الإقليمي.‏

لسنا بوارد الحديث عن تداعيات دور تحوم حوله الشبهات والشكوك، وتحيط به الإشكاليات من كل الجهات، خصوصاً في ظل قرائن وأدلة تتراكم عن الدرك الذي وصل إليه، وأمام تداعيات تحمل كل ما يؤشر إلى تراجع واضح في المقاربة الأميركية التي لديها فائض من الألغاز والطلاسم.. للأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء، وتطرح بوضوح سلسلة من المفاهيم المتناقضة التي تدفع إلى الجزم بشكل المعضلة وصولاً إلى المضمون ذاته.‏

فالأجندات المكثفة التي تحملها جولة تيلرسون، وروزنامة المواعيد المتعددة المستويات، توضح إلى حد بعيد أن ليس لديه النية ولا الرغبة في حسم أي من الإشكاليات القائمة داخل أروقة الموقف الأميركي، بل هناك ما يشير إلى تعمد ضبابيتها بشكل مطلق، بحيث يصعب الحسم فيما إذا كانت أميركا مع القطري أم السعودي في الأزمة الخليجية، والأصعب منه أن تعرف إذا ما كانت متحالفة مع تركيا أم مع خصومها على الطرف الآخر، ممن يعملون في سياق الارتزاق السياسي، والأخطر من هذا وذلك أنها لا تمانع في توريد رسائل متباينة ومتناقضة، بحيث يتحول الحليف أو الصديق إلى خصم أو عدو في اللحظة ذاتها وأمام المشهد نفسه.‏

لا أحد لديه وهم بأن جولة تيلرسون ستقدم إجابات محكمة عن كثير من الأسئلة المعلقة والمؤجلة، وهي غير مؤهلة بالأساس لحسم الموقف من القضايا التي تبدو حمالة أوجه في السياسة الأميركية المتحركة، بحيث ترسل إشارات تطمين خادعة للجميع ومن دون استثناء، فهي التي تغازل مشيخة قطر وفي الوقت ذاته تدافع عن السعودية، وهي التي تبحث قضايا التحالف الإستراتيجية مع تركيا، وفي الوقت عينه تعزز وتسلح خصوم النظام التركي وتمدهم بأسباب البقاء والاستمرارية، وإن لم تنف عنهم صفة المرتزقة في نهاية المطاف.‏

المحسوم في هذه الجزئية أن أميركا تحالفت مع التنظيمات الإرهابية، ووثقت هذه التحالفات أكثر مما تحالفت مع أدواتها في المنطقة، ودعمتها بأسباب البقاء والاستمرارية، ولم تتردد في تأمين مساحة حركة لها، وتتعاطى مع وجود الإرهابيين بمرونة تفاجأ بها أصدقاؤها قبل خصومها، حيث لا يصعب الفصل بين الرؤية الأميركية للدور الإرهابي وجملة الأدوات القائمة في المنطقة باعتبارهم وكلاء مفوضين بإدارة هذه التنظيمات، في وقت لا تتردد في نزع الوكالة والتعاطي مباشرة مع الإرهاب والإرهابيين، كلما اقتضت الحاجة، وهو ما ينطبق على تعاطيها مع الأدوار الوظيفية المؤقتة أو الدائمة لتلك الأدوات، حيث المفاضلة آنية ومتغيرة حسب الأجندات التنفيذية.‏

الوزير الأميركي ليس بوارد البت في الدور المتذبذب لإدارة تبدو إشكالية منذ البدء، وحتى في مبررات ومسوغات السلوك تجاه أجندات متناقضة، ولا لديه النية في الإجابة عن الكثير من الأسئلة الملحة، بل يراهن على حالة الغموض والالتباس للإبقاء على تجارة الوهم لدى الكثير من الأدوات في المنطقة على حالها، وفي الحد الأدنى الاستثمار في الإرهاب والخلافات والمعضلات البينية التي تواجهها منظومة العدوان، وهذا في جوهره الثابت الوحيد في السياسة الأميركية إلى إشعار آخر.‏

جولة تيلرسون متخمة بالقراءات المتناقضة حالها كحال السياسة الأميركية، وتمسك بخيوط متناقضة، وأيضاً حالها في ذلك حال الدور الأميركي ومفاتيحه الخاصة، وتأتي في وقت تشهد فيه المقاربة الإقليمية للأجندات أبعاداً لم تكن الأصابع الأميركية بعيدة عن مخرجاتها، سواء ما يتعلق بما آلت إليه أدوار التنظيمات الإرهابية، أو ما يرتبط بتورم الدور الإسرائيلي في هذه المرحلة، حيث يبدو أنها رسالة أميركية في استخدام الفائض منه وتاجر بورقة بدت مفاجئة في هشاشتها وقابليتها للاحتراق.. وربما صادمة للأميركيين قبل غيرهم في مسارعتها للخروج من المعادلة.‏

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث