ثورة أون لاين:

في ليلة رأس السنة، يحتفل العالم بقدوم عام جديد، كلُّ على طريقته، وثمة تقاليد باتت تمهر هذه الليلة بطابعها،مثلاً يقتحم المنجمون و قراء الطالع  ليلتك من خلال شاشات التلفزة، يتنبأون لك بمستقبلك و مستقبل البلد و العالم، وكأن كل شيء محتوم، ويدهشك المتابعة الشديدة من الناس و المحطات الإعلامية لهؤلاء الدجالين و أكاذيبهم، لدرجة ربط ما يحدث على أرض الواقع بما تنبأ به فلان أو فلان... وهذا يسري على علوم الأبراج أيضاً التي باتت تأخذ بعداً في حياة الكثيرين أكبر بكثير مما تستحق...
ما الذي سيتغير في رأس السنة؟ ما الذي ينتظره الناس من الغيب ليأتي و يغير أحوالهم؟ وهل يغير الغيب الأحوال؟ هل وصل الناس حد التعب أنهم باتوا ينتظرون الفرج من دجال يُطِلُّ عبر الشاشات ليدلي بأكاذيبه؟
هل غيرت توقعاتهم مسار الأزمة في سورية؟ ألم يكتب الجيش على الأرض بدمه و تضحياته الانتصار؟ ألسنا نحن نصنع مستقبلنا و أيامنا؟ فلماذا تلتفت الشاشات إليهم بدل أن تلتفت إلى التوعية و التشجيع بأن زماننا نصنعه بأيدينا؟ و أن النجاح رهن الإرادة و الثبات و الاستمرار؟ و أن علينا أن نتعلم كيف نخطط للمستقبل على صعيدنا الشخصي و المجتمعي؟
أيضاً الأسلوب الذي يتعاطى به الناس مع العام المنصرم واستقبال العام الجديد مثير للدهشة، فيكيلون للماضي اللعنات لأنه كان صعباً و يهللون للعام القادم منتظرين من أيامه أن تمتلئ بالفرح و النجاح ..وهذا السيناريو يتكرر في كل ليلة رأس سنة، فما هللنا له منذ عام، نلعنه اليوم.. وننتظر معجزة العام الجديد.
كيف يتوقع الناس أيامهم بلا متاعب؟!! هذا وهم.. لم و لن تخلوا أيامنا من المتاعب، حياة بدون مصاعب لا معنى لها، أنبحث عن حياة تافهة؟ طبعاً أنا لا أدعوا لتبني المصاعب فلا حاجة.. هي تأتي من ذاتها، و لكني أعتقد أن علينا أن نغير طريقة تفكيرنا و تعاطينا مع المصاعب فلا نأخذ مخدراً من وهم عبر الشاشة أو من الغيب.. بل نتعامل مع الواقع كما قال أرسطوا :" علينا أن نحرر أنفسنا من الأمل بأن البحر يوماً سيهدأ , علينا أن نتعلم الإبحار وسط الرياح العاتية". أعتقد أن لشاشات التلفزيون دور أهم بكثير وبأن تسلط الضوء على ما هو للبنيان و التقدم  و ازدهار البلد بالتصميم و الإرادة و التخطيط و القدرة على صناعة المستقبل.
وعند حلول الثانية عشر ليلاً، تشترك جميع العواصم العالمية تقريباً في إشعال الألعاب النارية، وإبهار المواطنين بالاستعراضات التي تقام لدقائق، حيث تشتعل سماء العديد منها، بهذه النوعية من الألعاب، ويتكرر الموقف بدرجات متفاوتة في عدد من العواصم العربية بعروض رائعة تخلب الألباب و تكاليف ناهزت هذا العام مليارات الدولارت.... وكل ذلك لإعطاء صورة إيجابية عن مكانة هذه المدينة عالمياً.

عندما سمعت بمليارات الدولارات أخذتني أفكاري إلى المشردين في بلدي و الجائعين، إلى صورة أهل اليمن كالأشباح تحت الركام، وإلى صور المشردين في العالم، أما هم أولى بنصف هذه التكاليف على الأقل؟
طبعاً أنا أهذي في كوكب آخر.
كلنا نطلب الفرح بكافة مظاهره، و لكن ألا نجده في أبسط من ذلك، في لمة العائلة في العيد، في لمة الأحباب، في طقوس وزينة و إضاءات دون مغالاة ... في أن يكون الناس في بلدي قد تجاوزوا جروحهم في هذه الأزمة، في أن نكون يداً واحدة في بناء ما تهدم في سورية من جديد...
أرجوا لكم عاماً جديداً غنياً بتجاربه و حافلاً بانتصاراته ومغموراً بفرح حقيقي.


ميسون حداد


 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث