ثورة أون لاين:

قد تكذب الغيوم فلا تمطر ..وقد يكذب الأصدقاء فيخونون ويغدرون ..وقد يكذب العيد فلا يجلب الفرح .. وحده الشهيد دون الكائنات لا يكذب ولا يراوغ ..وعد أن يفدي بلده بالروح ..فوفى بالوعد. ..عاهد أن يحمل الأمانة ولو عجزت عنها الجبال.. فصان الأمانة والعهد .

تنحني أكاليل الغار أمام قدميه الثابتتين ..فلطالما قبلت قدميه ذرات التراب وتعطرت بأنفاسه الصاعدة للسماء نسائم الهواء.‏‏

‏‏

منذ أربعة أعوام غادر الشهيد فهد علي اسليم بيته البسيط في منطقة كفرسوسة ملتحقاً برفاقه الذين سبقوه إلى خدمة العلم ملبيا» نداء الوطن والواجب حين ناداه للدفاع عنه وحمايته .‏‏

وتتحدث والدته السيدة بدرية أنه وقبل مدة من موعد التحاقه بالخدمة الإلزامية حاول الكثير من رفاقه ثنيه عن الالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري والسفر خارج البلد والتهرّب من الخدمة كبعض الشباب إلا أنه رفض كلامهم ولم يستجب لتوسلات أقاربه بالعدول عن رأيه , بل كان إصراره كبيرا» ومتشددا» للخدمة فلم يقبل أو يرضى أي حل أو فكرة غير الالتحاق بالجيش السوري , وتتابع السيدة بدرية كان حماسه قوياً وكبيراً تلك الفترة وكان يستعجل ذهابه وكأن قدره يناديه ...وكأن الأيام تستعجل طي آخر الصفحات في كتاب عمره القصير.‏‏

هنا على المصطبة أمام بيته الريفي بحي كفرسوسة ,كان يجلس ويحدثها طويلا» عن لهفته ورغبته الكبيرة بالالتحاق بالجيش السوري أسوة بعمه أحمد اسليم وابن خالته اللذين استشهدا أيضا بفاصل زمني بسيط فأصبحت وأختاها أمهات شهداء خلال عام واحد. وتتابع السيدة بدرية : حين استشهد ابن أختي ورأيت أختي ولوعتها على ولدها ,أصبحت الهواجس تنتابني وكان قلبي يحدثني أنني أنا التالية ولكن باستشهاد عمه أحمد هو الآخر بريف اللاذقية تيقنت أن الشهادة قدر لا مفر منه أمام كل عسكري وكل جندي مادام الإرهاب يضرب كالأعمى بلدنا وبلا رحمة .‏‏

بحرقة حجر تلفحه النيران تروي ذكرياتها مع بطلها الذي لم يكن يمضي يوم واحد دون أن يكلمها وكان ينقل لها كل تفاصيل يومه وكأنها تعيش معه ليعوضها لوعة غيابه ,عرفها على كل رفاقه وتحدثت مع الجميع وصارت أمهم جميعاً, تلوعت بلهيب الغياب والبعد وتعاركت مع دمعتها وصمدت أمام هلعها وخوفها مع الحصار المفروض على دير الزور والذي عاشه البطل فهد بكل تفاصيله.‏‏

تحكي السيدة بدرية عن الأوقات الصعبة التي مرت دون أن يكلمها فقد انقطع الاتصال بينهما واستمر لمدة شهرين دون أن تعرف عنه شيئاً ولم تستطع التواصل مع أي من زملائه للاطمئنان عليه وحدها ابنتها لانا كانت تطمئنها عنه وأنه بخير إلا أنه كان مصاب إصابة بليغة ولم يحب أن تعلم به أمه كي لا يقلقها أو يحزنها . وأصيب أيضا مرة أخرى في ساقه وأيضا أخفى عنها ذلك. وبعد أربع سنوات قضاها بالخدمة في دير الزور تحت الحصار لم أره فيها أبدا .وبعد دخول الجيش العربي السوري وفك الحصار عن المنطقة المتواجدين فيها اتصل بي وقال والفرحة لا تسعه سأزورك قريبا يومان وسأكون في الشام, وأرسل لي صوراً وفيديوهات كثيرة عن مناطق دخلوها مع الجيش وغرسوا فيها العلم السوري.‏‏

وفي نفس اليوم وبعد دقائق من اتصاله بي مرّ بصحبة زميله فوق لغم زرعه الإرهابيون في المنطقة فانفجر بهما و ارتفعا شهيدين إلى سماء الوطن. وصارت مع أم أخرى أم الشهيد.‏‏

واختنق صوت السيدة بدرية أم الشهيد فهد وغابت الكلمات والسيدة التي صمدت طوال السنوات تبكي فقيدها بكاء الغيمة التي تسقي الجميع وهي تصارع البرد والعطش.‏‏

وختمت حديثها قائلة :اعتزازي بولدي الشهيد لا تصفه الكلمات ولا تسعه الكتب وهذا البلد الغالي بغلاوة دم وأرواح أولادنا سنفديه ولن نبخل مادامت الحرب قائمة عليه.‏‏

لانا اسليم أخت الشهيد تحدثت عن والدها الذي توفي قبل شهرين من استشهاد أخيها فقد كان أمل أبيهما أ ن ولده فهد قبل أن يموت كونه مصاباً بمرض السرطان وفي مراحله الأخيرة ومات والدهما دون أن يراه , كان حنوناً وباراً بوالدينا حيث كان يوفر من راتبه ويرسل لأمي ليساعدها في تكاليف علاج الوالد , رغم أحوالهم الصعبة في دير الزور .حزننا كبير عليه وعلى كل الشهداء ,إلا أن لنا الفخر أننا قدمنا من العائلة ذاتها ثلاثة شهداء .‏‏

أما أخوه الصغير محمد وأخته سيدرا فقد أخفيا دموع عينيهما بأكفهم الصغيرة وبصوت خافت همس محمد اشتقت لأخي الشهيد فهد أما سيدرا وبصوت أقرب للافتخار والزهو فقد قالت أنا أخت الشهيد الله يرحمو.‏‏

وإذا كان قدر السوريين أن يقدموا أرواح أولادهم قرباناً على مذبح الوطن ليبقى عزيزاً كريماً . فليبارك الله عزيمة الشعب السوري الذي دفع فاتورة غالية ليحافظ على وجوده وكيانه.‏‏

ومن الجدير بالذكر أن الشهيد البطل فهد علي اسليم عازب ولديه أربعة إخوة سعيد ومحمد ولانا وسيدرا من مواليد دمشق – كفرسوسة 1993مجند رقي إلى رتبة ملازم شرف ومنح وسام الإخلاص و قد نال شرف الشهادة بتاريخ 10\9\2017 في معارك دير الزور , وسجل اسمه في سجل الخالدين .‏‏
ثناء أبو دقن

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث