ثورة أون لاين:

على وجع الهجرة القسرية تنقل من منطقة إلى أخرى داخل حدود الوطن ..ترك أراضي و مساحات القطن التي كانت تشتاق لحبات العرق المتصببة من جبهته الملساء السمراء وهي تعكس أشعة الشمس بهاء كما تويجات القطن الملقبة بالذهب الأبيض.
لم يكن يحلم وعائلته يوما أنه سيغادر تلك الارض وذاك البيت وما يحيط به من أهل وأقرباء وذكريات عمر.اضطر عبد الرزاق لترك ما وراءه من أحلام بعدما هاجمت قطعان الارهاب بيئته وحاولت خطف أبنائه.‏
قاوم حتى آخر رمق إلا انه لا طاقة للبقاء في جحيم الموت القسري الذي هدد بناته وأبناءه الصغار.‏

خسر ابنه اليافع بعمر 13عاما حين تم تهريبه أو انقاذه بطريقة صعبة جدا إلى خارج المنطقة التي كان يعبث بها الدواعش خوفا من خطفه وتجنيده في صفوف الإرهابيين كغيره من بقية الأقران الذين شردوا واجبروا مع اهاليهم للانحراف بما يمليه الفكر الظلامي الارهابي .ترك اولاده من ذكور وإناث المدارس لعدم الاستقرار والتنقل من مكان لأخر والبحث لتأمين بعض مقومات العيش ومنها السكن الذي تحول إلى كابوس ارقه وجعله يراه في المنام.‏

اتكأ على قدراته الجسدية وتحويشة ما تبقى من مال ومن العمر وقرر وعائلته الخروج معانقا قساوة الشوق والحب لتلك الأرض الخصب الحمراء بتربتها والخضراء بخصوبتها والبيضاء بذاك المحصول الأبيض من القطن .‏

قطعوا المسافات الوعرة ليالي وأياما وسط حالة من القلق والخوف والرعب من اللصوص وقطاع الطرق ومعتنقي طقوس القتل والذبح والحرق لكل من لم ينضو تحت رايتهم السوداء .‏

اربع سنوات قضتها تلك العائلة الحسكاوية تائهة في عدم الاستقرار المؤقت في ربوع المناطق الآمنة إلى ان وصلوا العاصمة دمشق متخذين من احد الفنادق ذي النجمتين بالقرب من عبق دمشق القديمة إقامة لهم لبضعة أشهر.لعلّ تاريخ المكان يسمع أنينهم ويشهد على حالهم كما حجارته ..‏

ولأن الفنادق تستنزف الجيوب بشكل يومي قرر الأب أن يخوض رحلة البحث عن شقة سكنية مناسبة ومفروشة في المدينة أوفي أطرافها المهم سكن لائق قدر الامكان في الظروف الصعبة .واعتمد في هذه المهمة على المعارف والأصدقاء وأولاد الحلال .‏

.وعلى موعد هنا ووعد هناك مرت الأيام والساعات دون جدوى.. فأصحاب الشقق المفروشه يحلقون سعريا حتى ولو كانت غرفة أوشقة بالكاد تصلح للسكن وفي أبعد نقطة من أطراف المدينة أو حتى في داخلها مثلها مثل اي شقة في المالكي او ابو رمانة.‏

البعض من أصحاب الشقق طلب في شقة متواضعة ثمانين ألفا للشهر الواحد ويريدون أجرة ثلاثة أشهر سلف زائد عمولة المكتب ،والبعض الآخر كان يريد 125 ألف ل س للشقة مع دفع ثلاثة أشهر سلف أيضا وعمولة للمكتب .. ويختلف السعر من نقطة لأخرى وحتى من شارع لآخر وهكذا دواليك حط رحال الأسى في مساحة التفكير.ماذا يعمل ماذا يفعل خلال شهر أوشهرين وهو المغادر بشكل نظامي خارج الوطن للم شمل الأهل الذين تفرقوا في غفلة مباغتة من الزمن .ولطالما الله لا يقطع بعبد من عباده وأن أولاد الحلال مازالوا على قيد الحياة وبكثرة . فقد أنقذ هذه العائلة الطيبة رجل طيب تجمعه بهم صداقة من أيام التدريس لسنوات خلت حيث استضافهم رغما عنهم في منزله الصغير إلى أن تم تأمين سكن مناسب لهم في محافظة أخرى في ساحلنا الحبيب.‏

عبد الرزاق الفلاح السوري الطيب وعائلته المؤلفة من عشرة أشخاص ذاق المرارة بألوانها خلال سنوات الحرب الظالمة على بلدنا بحق البشر والحجر.وذاقها في رحلة البحث عن مأوى يستر جوعه وتعبه وخيبته مما رآه من أسرار في نفوس البشر .فصاحب التاكسي لم يكن يرضى بأقل من ألف ليرة في العاصمة حتى لو كانت لمسافة قصيرة .ما دفعه للقول والتساؤل ..هل ماتت صلة الرحم بين السوريين ..ألهذه الدرجة توحش البعض في نهش بعضه الآخر .هل أصبح الولاء لعبارة اللهم إني أسألك نفسي عنوان الفوضى وموت الضمير ..؟‏

غصون سليمان

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث