ثورة أون لاين:

لم نكن نشك يوماً بأن داعش التي صنعتها أميركا كانت وما زالت أداتها العدوانية للعودة للعراق وللدخول الى سورية، فداعش لم تكن أكثر من معبر وجسر عودة الى العراق الذي استحال على أميركا البقاء فيه إثر احتلالها له بسبب المقاومة العراقية
كما انها عجزت عن تضمين الاتفاقية الأمنية معه نصوصا تمكنها من الاحتفاظ بوجود عسكري طويل الأمد يمكنها من امتلاك القرار في الدولة، فكان رفض الحكومة العراقية حاسما واضطرت أميركا للخروج من غير تحقيق مطلبها. اما في سورية فقد سدت الأبواب أصلاً بوجه أميركا ولم تستجب قيادتها في العام 2003 للمطالب الأميركية التي حملها الى دمشق والتي أرفقت بتهديد واضح لم ترضخ له سورية.‏

واستمر الهدف الأميركي بالسيطرة على العراق وسورية قائماً لم يتغير، هدف كان من اجله الحريق العربي الذي قيل فيه الكثير والذي ادعى الحمقى والاغبياء ممن ساروا في دخانه، ان أميركا تدعمهم في ثورات شعبية من اجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الى آخر المقولات التي استند اليها لتبرير العدوان على سورية وتحويله الى حرب كونية ضدها استهدفت كل شيء فيها بشرا وشجرا وحجرا، حرب قادتها أميركا ولا تزال تتابع العدوان وفقاً لخطط متتالية استعملت فيها جهات إقليمية متعددة وكانت تخرج خطة عدوان جديدة في كل مرة تفشل في خطة عدوان سابقة. وفي هذا السياق كانت الخطة التي أوكلت للتنظيم الإرهابي «داعش» الخطة التي عولت عليها أميركا للعودة والاحتلال.‏

لقد استثمرت أميركا «اجتياح داعش الأسطوري» لنصف العراق وثلث سورية، لتتخذه ذريعة للعودة الى العراق والدخول الى سورية. فشكلت تحالفا دوليا «عسكريا جوياً» بقيادتها ادعت انه لقتال «داعش»، تحالف شكل خارج قواعد القانون الدولي ومن غير تكليف من مجلس الامن، فإذا كانت أميركا قادرة على تبرير وجودها في السماء العراقية بالاستناد الى اتفاقية الإطار الاستراتيجي والدفاع المشترك مع العراق فإنها في سورية لا تملك أي مبرر وليس بيدها أي ذريعة تستند اليها قانونا للتدخل في السماء السورية والتحرك على الأرض السورية. ما يجعل وجود قواتها في سورية وجوداً غير مشروع وتحركها ضد اهداف في سورية انما هو تحرك عدواني بكل ما في الكلمة من معنى.‏

ثم ان أميركا لم تكتف باقتحام المجال السوري وانتهاك السيادة السورية – بذريعة محاربة داعش صنيعتها- بل انها وبكل فجور ووقاحة استهدفت اكثر من مرة وحدات من الجيش العربي السوري خدمة للتنظيم الإرهابي، هذا ولم يسلم من نار عدوانها المدنيون السوريون حتى ان ضحايا قصفها للمدن والقرى تخطى حتى الآن الآلاف من السوريين العزل الذين دمرت أميركا عليهم بيوتهم من غير أي مبرر، مرتكبة بحقهم جرائم حرب خلافا لكل قواعد القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية، والافظع من جرائمها كان سكوت المجتمع الدولي وفي طليعته مجلس الامن الذي لم يحرك حتى الآن ساكنا ضد هذا السلوك الأميركي الاجرامي .‏

واليوم ومع اقتراب الجيش العربي السوري من خط النهاية في محاربة داعش وتطهير الأرض السورية من الإرهاب، بدأت أميركا تتحرك لتفصح أكثر عن حقيقة مشروعها وطبيعة أهدافها الأساسية من عدوانها على سورية بعد العراق، وبدأت في سلوكها تظهر وضوحا وصراحة بأنها الآن باتت على اعتاب مرحلة جديدة هي «مرحلة ما بعد داعش» وما بعد الاستثمار بالإرهاب الذي استهدف العراق وسورية فما هي معالم هذه المرحلة وماذا تريد أميركا بعد سقوط داعش؟‏

قبل ستة اشهر من الآن وفي الأيام الأخيرة لولاية أوباما ومن غير مناسبة خرج مسؤول أميركي في البنتاغون يقول إن أميركا تخطط للبقاء عسكريا في العراق حتى ولو انتهت داعش، وكان تصريحه يومها صاعقاً لم يتقبله العراقيون، وبعد المناقشة اكد الاميركيون بأنهم بصدد مراجعة اتفاقية الاطار الاستراتيجي بما يتيح لهم البقاء في 5 قواعد عسكرية كبرى في العراق تتسع لأكثر من 50 الف عسكري، (يوجد منهم الآن 8 آلاف)، ولأن الحكومة العراقية كانت منشغلة في تحرير الموصل من داعش - ولا زالت- فإنها لم تناقش كثيرا في الموقف الأميركي واكتفت بالمواقف السياسية من بعض المسؤولين وكان الموقف الاصلب هو ما قالت به قيادة الحشد الشعبي رفضا للرغبة الأميركية، ورغم ذلك فان أميركا شرعت في تطوير مراكزها العسكرية في العراق لتحويلها الى القواعد التي تخطط للبقاء فيها .‏

اما في سورية فقد دخلت أميركا من بوابة «قسد» (قوات سورية الديمقراطية) وأمدتها بما هو ممكن لها استعماله من سلاح وذخائر ودعم ناري من اجل التوسع والسيطرة على أكبر مساحة من الأرض السورية بعد «طرد داعش منها» (الحقيقة كانت تجري عمليات تسلم وتسليم بين الطرفين وكلاهما يعملان بالقرار الأميركي)، ورغم ان هذا الدعم – دعم الاكراد-كان يغيظ تركيا شريكة أميركا في الحلف الأطلسي وشريكتها في العدوان على سورية، فإن أميركا لن تأبه للرفض التركي فمصالحها تتقدم على الآخر أي يكن هذا الآخر. وقد شرعت أميركا وتحت عنوان تدريب «قسد» وتجهيزه ببناء معسكرات وقواعد عسكرية لها في المنطقة التي يسيطر عليها الاكراد، وبلغت هذا القواعد حتى الان خمس، وهي اليوم بصدد انشاء السادسة التي يمكن ان تكون الأخطر والاكبر والأهم، وفي قاعدة الطبقة على سد الفرات، حيث وردت تسريبات تظهر ان أميركا شرعت بإقامة الأبنية لجنودها هناك على مساحة تتعدى الـ 10 كل م2.‏

وتتابع أميركا العمل بخطة إقامة القواعد العسكرية غير الشرعية منتهكة السيادة السورية، حيت تظهر قاعدة التنف في الترتيب بمثابة القاعدة السابعة، وهي أيضا من القواعد المهمة والفاعلة، خاصة بعد ان عززت أميركا الـ 400 عسكري الذين كانوا فيها منذ 6 أشهر عززتهم بـ 3 منصات صواريخ هيمارس Himars المحمولة على شاحنات خاصة، وذات قدرات نارية هامة من خلال الصواريخ التي تطلقها بعيار 227ملم ولمدى يتجاوز الـ90 كلم.‏

ان سلوك أميركا في سورية مؤخراً يكشف خططتها ونيتها بالبقاء في سورية بعد انتهاء داعش وتصفيتها خلافا لما ادعى البنتاغون مؤخراً بأن أميركا غير معنية بمواجهة مع الجيش العربي السوري ولا تنوي الاحتفاظ باي ارض سورية، فلماذا هذا التناقض في الإعلان والسلوك وما الذي تبتغيه من هذا الوجود؟‏

لقد فشلت أميركا في إسقاط سورية، وفشلت حتى الان في فرض تقسيمها، وتمكن معسكر الدفاع عن سورية من افشال كافة الخطط العدوانية الأميركية منذ العام 2011، والآن:‏

-هل تريد أميركا بالقواعد العسكرية التي تقيمها الآن التعويض عن فشلها وأن تمسك في الميدان ما تستند اليه لإطالة امد الصراع وتوسيع عملياتها كما يخطط مجلس الامن القومي الأميركي مع البيت الأبيض؟‏

- ام انها تريد اتخاذها مرتكزات لتنفيذ احتلال متدرج؟‏

- او تتخذها وسائل لرسم مناطق نفوذ في سورية والعراق للهيمنة عليهما؟‏

- ام انها تطمح لامتلاك أوراق ضغط لتستعملها في التفاوض حول مستقبل سورية، ما يمكنها من الحصول على مكاسب في السياسة عجزت عن فرضها في الميدان؟‏

قد يكون بعض او كل ما ذكرنا هو الدافع الذي حمل أميركا على إقامة قواعد عسكرية غير شرعية على الأرض السورية، وهو امر تراقبه سورية وحلفاؤها ولا يقرون به. ولقد كان واضحا جدا وزير الخارجية الروسي لافروف عندما نزع عن التصرف الأميركي في التنف بإدخال الصواريخ، نزع اي شرعية او اي مبرر، في رسالة أولية مفادها ان السلوك الأميركي غير مقبول، وان من حق أصحاب السيادة على الأرض ان يواجهوه.‏

اما سورية التي تنشغل الان في محاربة داعش ومن تبقى من فصائل الإرهاب التي لم تنخرط في اتفاق وقف التصعيد، فإنها تعرف كيف تواجه العدوان، واذا ظنت أميركا ان بقواعدها العسكرية العدوانية تستطيع ان تقيم درعاً عسكرياً نارياً يعوضها عن الفشل في إقامة المنطقة الفاصلة بين مكونات محور المقاومة، فإنها ستكون مخطئة، لان محور المقاومة الذي احترف المواجهة والنجاح قادر على اسقاط خطة القواعد العسكرية الأميركية والحاقها بما سبقها وإذا كانت السياسة والقانون الدولي غير كافيين فسيكون الرد الشافي في الميدان.‏

ان المواجهة مع خطة القواعد ستكون ذات طبيعة مختلفة ففي السابق كانت أميركا تقاتل بدماء ومال ادواتها اما هنا فالمواجهة فستكون مباشرة معها، وهذا ما يخيف وزير الدفاع الأميركي الذي يعترض على سعي مسؤولين في مجلس الامن القومي والبيت الأبيض في خطة القواعد وتوسيع العمليات في سورية وجنوبها.‏

بقلم: العميد د. أمين محمد حطيط*

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث