ثورة أون لاين:
غابت القضية الفلسطينية عن قمة أولويات أجندة القضايا الدولية في الخمسة عشر عاما الفائتة، واليوم عادت إلى الصدارة أقوى من أي وقت مضى بعد إقرار وتنفيذ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس،

ذلك الأمر الذي لم يهدف في واقعه إلا لاختبار مدى ردود الفعل للفلسطينيين ومدى قوتهم أو ضعفهم ومعرفة ردود فعل المجتمع الدولي إزاء ما اتخذته من إجراءات. لكن الواقع يؤكد فشلها فيما تهدف التوصل إليه.‏

لا ريب بأن نتائج نقل السفارة قد جاءت مغايرة بشكل تام للهدف المرغوب تحقيقه كونه شكل مؤشرا لجهة تخلي الولايات المتحدة حتى عن قيودها الخجولة السابقة التي فرضتها على التصرفات الإسرائيلية. وتجلى ذلك عندما أصبحت الاحتجاجات الفلسطينية محور هذا الحدث بدلا من الأجواء الاحتفالية للإسرائيليين والأميركيين. مما أفضى إلى قسم شاشات التلفزة إلى قسم يظهر صورة حشد من الأميركيين قدموا لمدينة القدس والآخر يظهر صورة القوات الإسرائيلية التي تسببت بمقتل 62 فلسطينيا و أكثر من 1360 جريحا في غزة.‏

لقد بدا من المسلم به بأن المزاعم الإسرائيلية بالدفاع عن الأسلاك الشائكة التي تحيط بغزة تحسبا من هجوم ينفذه نشطاء فلسطينيون مسلحون بالحجارة والطائرات الورقية تجافي الوقائع والحقائق إذ أن ما بثته شاشات التلفزة يؤكد عدم حدوث أي إصابات أو خسائر في الصفوف الإسرائيلية.‏

يبدو بأن لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة ومصر الرغبة في احتواء تداعيات أعمال القتل التي جرت بتاريخ 14 أيار. فالتنازلات الطفيفة التي تمثلت بتخفيف الحصار على غزة تم عرضها على القادة الفلسطينيين من قبل إسرائيل في حال توقف أعمال الاحتجاج. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت مصر بأنها ستفتح معبرها مع غزة خلال شهر رمضان.‏

كما تحققت مكاسب أخرى للفلسطينيين، (فضلا عن عودة مناقشة مصيرهم ليصبح في قمة سلم أولويات الخريطة السياسية والإعلامية) حيث أُعطيت الظروف المعيشية السيئة لحياة 1,9 مليون شخص يعيشون في غزة بعض الاهتمام، على الرغم من أن تسليط الضوء على معاناتهم لا يعني بالضرورة بأننا سنشهد تغيرا جذريا يفضي إلى تحسين ظروفهم المعيشية. إذ أن ميزان القوى يميل بعيدا عن الفلسطينيين ويتجه نحو الإسرائيليين.‏

يؤكد الواقع بأن الفلسطينيين استطاعوا جني ثمار الاحتجاجات المدنية المتعددة في الماضي حيث أفضت الانتفاضة الأولى عام 1987 إلى التوصل لاتفاقات أوسلو، كما قادت الانتفاضة الثانية عام 2000 (والتي تعتبر الأكثر عنفا) إلى إرغام إسرائيل على الانسحاب من غزة بعد ثلاث سنوات.‏

لكن ثمة شكوك في قدرة الزعماء الفلسطينيين على المتابعة في هذا المضمار بأنفسهم أو إتاحة المجال أمام النشطاء المدنيين للقيام بذلك. فالقيادة منقسمة بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، اللتان تعيشان في حالة من التنافس بينهما، حيث نجد أن السلطة الفلسطينية باتت منظمة سياسية محتضرة وتخشى أن ينقلب المتظاهرون ضدها أو إثارة الغضب والرد الإسرائيلي.‏

تماثل القيادة الفلسطينية معظم القادة الديكتاتوريين العرب وطالما بدت عاجزة عن تعبئة شعبها. كما وأن إسرائيل قد اتخذت كافة الإجراءات للحيلولة دون تأسيس دولة فلسطينية، لكن حتى دون الاضطهاد والقمع الإسرائيلي فإن ذلك كان مستحيلا جراء فساد وعجز النخب واحتكار السلطة وقمع المعارضة.‏

يبدو بأن إسرائيل تعيش الآن في ذروة قوتها لكونها تحوز على تفويض مطلق من البيت الأبيض لتفعل ما يحلو لها. وقد بدا ذلك بجلاء عندما ألقت الولايات المتحدة باللائمة على الفلسطينيين في غزة دون أن توجه أي انتقاد للتصرفات الإسرائيلية في الحين الذي نشاهد به بعض الدول مثل السعودية والإمارات تعطي الأولوية للاصطفاف السياسي مع الولايات المتحدة ضد إيران وتضرب صفحا عن المحنة التي يمر بها الفلسطينيون.‏

إن التأييد الأميركي لإسرائيل قد لا يصب في مصلحة تل أبيب على المدى الطويل. إذ أن تبني ترامب والجمهوريين والمسيحيين الإنجيليين لإسرائيل سيفضي إلى إثارة امتعاض الديمقراطيين. والأكثر من ذلك الصدمة التي تعرض لها اليهود الأميركيين عند مشاهدتهم القساوسة الذي يوصفون بمعاداة السامية يلعبون دورا بارزا في افتتاح السفارة الأميركية.‏

لا شك بأن عدم فرض قيود أميركية على إسرائيل أمر يثير الغبطة لدى حكومة اليمين الإسرائيلي، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون محققا لها الفوائد والمزايا. إذ قاد بها إلى المزيد من الثقة بالنفس وإلى ارتكاب ما يحلو لها دون تبصر بالنتائج حيث نجد أنها عمدت إلى غزو لبنان عام 1982 الأمر الذي أفضى إلى حرب استمرت 18 عاما. يضاف إلى ذلك أن الحكومة الأميركية التي تزعم بأنها تمثل وسيطا بين الإسرائيليين والفلسطينيين (رغم دعمها الكامل لإسرائيل) حققت فائدة لتل أبيب أكثر مما حققته للولايات المتحدة. كما لوحظ تقرب بعض الدول العربية من إسرائيل الأمر الذي يعطي الدليل على أن معارضتها السابقة لم تكن سوى خطابات بلاغية استعراضية فحسب.‏

إن الضعف الحقيقي في الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي في الشرق الأوسط قد يزداد سوءا جراء الدعم الواسع الذي تحظى به من قبل واشنطن. وهناك 6.5 ملايين يهودي إسرائيلي وعدد آخر مناهز لهم من الفلسطينيين يعيشون بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ويقيمون في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وإسرائيل ويخضعون للهيمنة الإسرائيلية.‏

لا ريب بأن ذلك الوضع يمثل معضلة دائمة لإسرائيل التي تسعى لطرد الفلسطينيين أو السيطرة عليهم بشكل كامل أو تحاول العثور على بعض وسائل التعايش. لكن من المتعذر عليها القيام بالطرد الجماعي في هذا الوقت، كما وأنه من غير المرجح أن نرى اتفاقا للتعايش بينهما، الأمر الذي يفضي إلى استمرار أعمال القمع.‏

ربما لن تستمر الاحتجاجات التي أفضت إلى مصرع العديد من الفلسطينيين في غزة وثمة احتمال بعدم انتشارها على نطاق أوسع، كما لن تستطيع إسرائيل استخدام تفوقها العسكري وقربها من ترامب لتحقق فوزا كاسحا ودائما، لكن عليها أن تعلم بأنها مهما اتخذت من اجراءات فإن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم وجذورهم ولن يتخلوا عنها ابدا.‏

بقلم: باتريك كوكبرن‏

ترجمة ليندا سكوتي

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث