ثورة أون لاين:
في الحين الذي تنقل به وكالات الأنباء أخباراً عن ازدياد أعداد المتظاهرين الفلسطينيين الذين قضوا نحبهم على يد القوات الإسرائيلية في غزة حيث تجاوزت أعدادهم العشرات في يوم 14 أيار فقط،

أطل علينا الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر شاشات التلفزة ليوجه كلمة بشأن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وليعلن على الملأ عن التزامه بما يسمى «عملية السلام» في الشرق الأوسط، وليهنئ الشعب الإسرائيلي بالذكرى السنوية السبعين في تلك المناسبة. وبذلك تكون الولايات المتحدة الدولة الأولى التي تتخذ مثل هذه الخطوة.‏

كان من نتائج هذا الإجراء زحف مئات الآلاف من الشبان نحو الحواجز المحيطة بقطاع غزة احتجاجا منهم على تلك الخطوة التي اتخذها البيت الأبيض، الأمر الذي قوبل من قبل القوات الإسرائيلية بإطلاق نيران كثيفة أصابت بها الآلاف من الفلسطينيين، وفقا لما ذكرته الوكالات الدولية الإخبارية.‏

في وقت سابق أعلن ترامب بأن الولايات المتحدة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأن نيتها تتجه إلى نقل سفارتها من تل أبيب إلى العاصمة التاريخية التي تضم ديانات التوحيد الثلاث (الإسلامية والمسيحية واليهودية) وذلك في 5 كانون الأول عام 2017. وقد لاقى تصريحه إدانة وتحذيرا واسع النطاق على مستوى العالم أجمع تحسبا من أن يقود قراره هذا إلى تداعيات خطيرة لا تحمد عقباها.‏

خلال الاجتماع الاستثنائي الذي عقد بتاريخ 13 كانون الأول في اسطنبول، تقدمت منظمة التعاون الإسلامي بدعوة هيئة الأمم المتحدة للحفاظ على الوضع الحالي للقدس، وطلبت من الدول الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين التي ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. وفي تصويت أجرته هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 21 كانون الأول لم تؤيد قرار ترامب سوى تسعة دول منها الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية، بينما أبدت 128 دولة معارضتها لهذا القرار ومن بين تلك الدول (الأعضاء الأربعة الدائمون وهم روسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا) وحلفاؤهم كألمانيا والهند واليابان.‏

بيد أن كل الاعتراضات المناوئة لقرار ترامب لم تثنه عما ذهب إليه. بل على العكس، حيث شهدنا ما يبذله من جهود يرمي بها إلى تقليص المدة اللازمة لنقل مبنى السفارة ليصبح على أتم الجهوزية إبان الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس الكيان الإسرائيلي.‏

ما تجدر الإشارة إليه هو أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل عند إنشائها على الرغم من كونها ذات غالبية مسلمة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة النطاق من قبل الدول العربية.‏

لا ريب بأن ما جرى من مآس مريعة تقع على عاتق ترامب. فالتراجيديا التي وقعت في 14 أيار عام 2018 والهواجس والمخاوف من أن تتلوها الكثير من الضحايا والمآسي الأخرى (خاصة وأن المسلمين على أبواب شهر رمضان الذي سيبدأ بتاريخ 16 أيار) كل ذلك جاء نتيجة لتداعيات ما نهجه ترامب من سياسة عدائية بدت بشكل جلي من خلال تنصيبه لشخصيات عرفت بانحيازها لإسرائيل الأمر الذي ظهر على نحو واضح في أقوال وزير الخارجية الأميركي مايك بامبيو عندما تقلد منصبه بتاريخ 1 أيار.‏

لا يمكن الفصل بين تحرك ترامب بشأن القدس وخطابه المقتضب الذي ألقاه بتاريخ 8 أيار الجاري معلنا به انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرم في شهر تموز عام 2015 علما بأن تلك الخطوة لم تلق المعارضة والشجب من مناوئيه في روسيا والصين فحسب، بل من قبل حلفائه في الاتحاد الأوروبي الذين أبدوا تمسكا بخطة العمل المشترك الشاملة خشية حدوث تداعيات وارتدادات سلبية لا تنعكس على الشرق الأوسط فقط بل على العالم بأسره.‏

من غير المرجح أيضا بأن يكون هذان الإجراءان قد جاءا بناء على قرار من الرئيس الأميركي بمفرده. ذلك لأن اتخاذ مثل تلك القرارات يتم بعد اجتماع يجري مع فريق من كبار الصقور في إدارة ترامب مما هيأ له الأجواء للإقدام على تلك الخطوات. وكان من بين المجتمعين مايك بنس بصفته نائبا عن الرئيس، ووزير الدفاع جيم ماتيس ، كما حضره جون بولتون الذي تسلم منصب مستشار الأمن القومي، وتقلد مؤخرا بامبيو منصب وزير الخارجية وقد عرف عنهم جميعا التأييد المطلق لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.‏

لا يمكن أن نغض الطرف عن مواقف اتخذتها بعض الدول العربية ذات الغالبية المسلمة تجاه التراجيديا الفلسطينية الأخيرة لاسيما وأن تلك الدول قد جاهرت بصداقتها لإسرائيل. إذ لو عمدت المملكة السعودية (فضلا عن الإمارات العربية المتحدة) لاستخدام نفوذها وقوتها ضد قرارات الولايات المتحدة وإسرائيل ووقفت إلى جانب الحقوق الفلسطينية المشروعة بدلا من دعم سياسات هاتين الدولتين في مناهضة إيران وعدائها لها لكانت الأحداث اتخذت منحى مختلفا، ولما وصلت حدود الصراع إلى ما وصلت إليه في الآونة الأخيرة.‏

ترجمة: ليندا سكوتي

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث