ثورة أون لاين:

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتاريخ 30 آذار الفائت أفصح عن نية الولايات المتحدة سحب قواتها من سورية في القريب العاجل. ويبدو أن قراره هذا قد اُتخذ دون استطلاع لآراء مساعديه الأمر الذي شكل صدمة لهم فضلاً عن تشكيله مفاجأة للمهتمين بالأحداث في سورية،

ذلك لأنه يتعارض مع ما نهجته الولايات المتحدة وأعلن عنه الساسة رفيعو المستوى في دوائر السياسة الخارجية والدفاعية.‏

ويبدو بأنها ليست المرة الأولى التي يعلن بها ترامب عن اتخاذ موقف (دون استشارة إدارته) يخالف نهج السياسات الأمريكية الرسمية. ففي مناسبات عدة، أطلق الرئيس الأمريكي أقوالاً تثير الدهشة والاستغراب لدى شخصيات رئيسة في السياسة الخارجية والمنظومة الدفاعية بما في ذلك وزراؤه وشركاؤه المقربون منه. وإزاء ذلك ونظراً لما قد يلقاه من معارضة فإننا لا نتوقع انسحاباً وشيكاً للقوات الأمريكية من سورية، لأنه وفقاً للتصريحات الرسمية، فإن ثمة نوايا أمريكية لإبقاء قواتها في سورية إلى أجل غير محدد، ودون الإعراب عن ارتباط الانسحاب بتحقيق غاية معينة. ويبدو بأن ذلك مجرد محاولات لفرض النفوذ في هذه المنطقة من الرقعة الجغرافية تحدياً لروسيا وإيران المتحالفتان مع سورية من خلال اتخاذ الأكراد مطية باعتبارهم يشكلون جزءاً من تلك الاستراتيجية ويلعبون دوراً في رسم واشنطن لسياساتها حول سورية.‏

في مختلف الأحوال، فإن تنفيذ الانسحاب، إن حصل، سينعكس إيجاباً على سورية وحلفائها، فضلاً عن كونه سيغني تركيا عن خوض غمار مواجهة مع الولايات المتحدة عندما ترغب باتخاذ أي إجراءات ضد حزب العمال الكردستاني المحظور وتنظيم وحدات الشعب الكردية في شمال سورية. وحتى ولو لم يجر انسحاب أمريكي كامل من سورية فإن قرار ترامب قد كشف مدى ضعف دور الولايات المتحدة في المعادلة السورية.‏

يبدو أن المسار السياسي الكردي الذي يمثله حزب العمال الكردستاني وتنظيم وحدات حماية الشعب لم يعد يحظى بالدعم والمؤازرة التي كان يطمح إليها من الغرب، لذلك يتعين عليه التراجع عن الآمال التي عقدها في السابق نتيجة لما قاله ترامب. ولكن من المرجح بأن «الغرب سيعود لاستخدم الورقة الكردية مرة أخرى لفترة طويلة» في المستقبل المنظور.‏

في هذا السياق، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفداً مما يسمى «قوات سورية الديمقراطية» ومن ضمنهم أعضاء في وحدات حماية الشعب في قصر الاليزيه بتاريخ 29 آذار، لكن من غير المحتمل أن تسعى فرنسا لملء الفراغ الذي ستخلفته الولايات المتحدة في سورية.‏

منذ تسلم ماكرون قصر الإليزيه سعى إلى إبراز دور فرنسا كلاعب قوي على الساحة الدولية، وكجزء من محاولاته بذل شتى المساعي لإيجاد دور فعال لبلاده في الأحداث القائمة في سورية، ذلك البلد الذي كان يوماً خاضعاً للانتداب الفرنسي. ويبدو بأنه وجد مجالاً للدخول في هذا المعترك عبر البوابة الكردية، وبذلك يمكنه مجابهة الانتقادات التي تلقاها من الشعب الفرنسي والسياسيين في إدارته لأنه لم يقدم الحماية الكافية للأكراد في عفرين.‏

صرح أعضاء من الوفد الكردي الذي التقى ماكرون بأن «فرنسا ستعمد لإرسال قوات إلى منبج» لكن قصر الاليزيه نفى ذلك بتاريخ 30 آذار، الأمر الذي يشير إلى عدم رغبة فرنسا خوض غمار مواجهة عسكرية مع تركيا في منبج. لكن من المحتمل أن نشهد في الأيام القادمة بأن التوتر الذي ساد العلاقة الأمريكية التركية - جراء الدعم لتنظيم وحدات حماية الشعب قد تحول إلى عداء في العلاقات التركية الفرنسية.‏

ثمة مسألة لا بدّ من الإشارة إليها تتعلق في بيان الإليزيه الذي جاء به ما يلي: «إن إرساء الاستقرار في منطقة أمنية، وبشكل خاص في شمال سورية، يتطلب إطاراً شاملاً لحكم متوازن ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التوصل إلى حل سياسي». وعلينا في هذا السياق أن نركز ونأخذ باعتبارنا ما ورد في عبارة «بشكل خاص في شمال سورية»، ذلك لأن هذا التركيز على المنطقة يشير إلى قضية حساسة قد تنشأ في حال توغل تركيا داخل منبج في غضون الأيام القادمة، وماهية الحكم الذي سيطبق على الأكراد الذين يعيشون على طول الحدود التركية الممتدة من شرق الفرات إلى الحدود العراقية، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلافات وتوترات بين تركيا والغرب لأسباب تتعلق بطبيعة الوضع الذي سيكون عليه الأكراد في المنطقة.‏

بقلم: سيدات إيرغن‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث