ثورة أون لاين:

أثار الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام عمال وأرباب الصناعة في أوهايو موجة من الدهشة والاستغراب إزاء ما عبر به من رغبة بانسحاب القوات الأميركية من سورية تاركا في ذلك للآخرين أمر تلك المعضلة.

وقد أبدى في خطابه شعورا بالأسف على إنفاق سبعة تريليونات من الدولارات في الشرق الأوسط دون أن يتحقق له من فوائد ومزايا تتناسب وطموحاته. لكن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيثر نورت قالت: «ليس لدي معلومات حول خطة انسحاب القوات الأميركية من سورية.» وفي مختلف الأحوال، فسواء كان ثمة خطة للانسحاب أم لم يكن، فإن ترامب دفع بنا للتساؤل عن ماهية الدوافع والحيثيات التي حدت بالأميركيين وجعلتهم يشدون الرحال للخروج من سورية، كما وأن خطابه كشف عن النوايا الخبيثة للبعض ممن يتربصون شرا بسورية أرضا وشعبا.‏

جاء خطاب ترامب بعد أيام قليلة من الشهادة الأخيرة التي تقدم بها قائد القيادة المركزية المسؤولة عن الشرق الأوسط وغرب اسيا الجنرال جوزيف فوتيل الذي قال خلال جلسة للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ «لا أبالغ إن قلت بأن سورية قد انتصرت» واعترف أمام اللجنة بفشل الاستراتيجية الأميركية حيال سورية. فالانتصارات المتلاحقة التي حققها الجيش السوري وتمكن عبرها من تحرير أغلب المناطق من ربق الإرهاب، وكان آخرها الغوطة الشرقية، ستجعله يتوجه صوب الشمال عاجلا أم آجلا، الأمر الذي يجعل التحالف الأميركي في مواجهة مباشرة مع كل من سورية وحلفائها الروس والإيرانيين، مما قد يفضي إلى إشعال منطقة الشرق الأوسط برمتها واستنزاف أميركا بشريا وماديا وعسكريا.‏

من جهة أخرى يبدو أن الولايات المتحدة فشلت في إقناع تركيا بالانسحاب من عفرين والتوقف عن التوغل في الشمال السوري، علما بأنه ليس لدى أميركا سوى 2000 جندي في شمال سورية وشرقها وتقتصر فعاليتهم على الغارات المدمرة التي تنفذها القوات الجوية الأميركية، وبذلك فإن الاعتماد على القصف يمثل الوسيلة المفضلة بالنسبة للإدارة الأميركية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل من الممكن أن تستخدم الولايات المتحدة قواتها العسكرية المتحالفة مع الأكراد ضد تركيا حليفتها في الناتو؟‏

أثار خطاب ترامب، وخاصة ما يتعلق منه بالانسحاب من سورية، امتعاض وخشية وتحسب الجانب التركي الذي تربطه مع الأمريكيين علاقات ودية لم يعكرها ظهور بعض الخلافات الطفيفة، فالمصالح التي تربط الطرفين تفوق أي خلاف يقوم بينهما، لاسيما أن ثمة أرضية مشتركة بين الجانبين بشأن الأزمة في سورية. وقد عبرت صحيفة حرييت التركية بنسختها الانكليزية عن تلك المخاوف حيث قالت: «إن انسحاب القوات الأميركية من سورية سيفضي إلى سفك مزيد من الدماء واستمرار زعزعة الاستقرار في منطقتنا. وإن عدم الاستقرار في سورية سينعكس سلبا على المصالح التركية». كما أن أشد ما تخشاه أنقرة انخراط الحكومة السورية مع تنظيم وحدات حماية الشعب الكردي في بناء «سورية الجديدة» في ضوء كون هذا التنظيم يعتبر ذراع حزب العمال الكردستاني المصنف منظمة إرهابية من قبل أنقرة وما انفك يخوض صراعا داخل تركيا منذ عام 1984.‏

لكن المملكة السعودية بدت من أشد الممتعضين جراء تصريح الرئيس الأميركي، إذ لم يعد خافيا على أحد دورها القذر في رعاية الإرهاب وتمويل الإرهابيين وتسليحهم في سورية. ويبدو بأن قرار ترامب قد أثار حفيظة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي صرح لصحيفة تايم الأميركية في مقابلة معه قائلا: «إن الضرورة تستدعي بقاء القوات الأميركية لفترة معقولة، إن لم يكن على المدى الطويل»، الأمر الذي يؤكد الرغبة السعودية بالابقاء على الاحتلال الأميركي للأراضي السورية، بينما لا ترى الولايات المتحدة بأن ثمة مصالح حيوية تجعلها تلبي تلك الرغبة المتمثلة باستمرار وجودها العسكري في سورية لاسيما وأنه أمر يفتقد للشرعية، فضلا عن كونها ستعرض حياة جنودها للخطر في حال الامتثال لرغبة سعودي أرعن ومتهور، خاصة بعد أن أصبحت الدولة السعودية منذ أن تسلم قيادتها محمد بن سلمان تشكل تهديدا للاستقرار الإقليمي. ويبدو بأن المصالح الأميركية قد باتت تتناقض مع المصالح السعودية ورغبات قادتها.‏

وفي هذا السياق، قال دانييل لارسن في مجلة The American conservative «من مصلحة أميركا الامتناع عن الاستجابة لمطالب ولي العهد السعودي، فرغبته بالمحافظة على قوات أميركية في سورية لفترة أطول يعد سببا إضافيا يجعلنا نعيد قواتنا إلى الوطن بأسرع ما يمكن»‏

اللافت في الأيام الأخيرة توجه وفد من بغاث السياسة فيما يسمى «قوات سورية الديمقراطية» يوم الخميس الفائت إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دعا إلى بدء «حوار» بين الأكراد والأتراك الأمر الذي رفضته تركيا رفضا قاطعا. لكن من الواضح بأن الرئيس الفرنسي يرغب في التدخل في الشأن السوري بعدما لاقى انتقادات في البرلمان جراء التزامه الصمت حيال الغزو التركي لجيب عفرين، فسورية تعتبر دولة ذات أهمية واسعة في السياسة الخارجية الفرنسية خاصة من خلال المنظور التاريخي، حيث عاش هذا البلد لمدة ربع قرن تحت وطأة الانتداب الفرنسي ويبدو أنه مازال لدى فرنسا أطماع استعمارية لوضع موطئ قدم لها فيه. فضلا عما يطمح إليه ماكرون من إعادة لتنشيط دور فرنسا في الشؤون الدولية لاسيما بعد فترة من الانعزال السياسي لبلاده إبان حقبة فرانسوا هولاند. يبدو بأن ترامب لم يتعظ مما ألم بالقوات الأميركية من هزائم في السابق فعاد إلى ارتكاب ذات النوع من الخطأ عندما أقدم على احتلال بعض من الأراضي السورية دون أن يتبصر بما سيلحق بقواته. لكنه استيقظ مؤخرا ليعلن عن انسحابه من هذا البلد بعد أن شهد بأم عينيه قيادة صامدة ومن خلفها شعب يماثلها تصميما وتضحية بكل غال ونفيس الأمر الذي جعله يعيد النظر باستراتيجيته ويفصح على الملأ عن رغبته بالانسحاب تحسبا من حدوث أعمال قتالية على غرار ما حدث للقوات الأميركية في لبنان والعراق.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث