ثورة أون لاين:

يواصل نظام أردوغان رقصه الفاجر على مختلف الحبال السياسية في المنطقة مراوغا ومخادعا وسريع الاستدارة لدرجة أن المتابعين لسياسته المتلونة باتوا على حيرة من أمرهم كيف يصنفونه وفي أي خانة يضعون سياسته، فتارة نراه على يمين داعش في ممارسة الارهاب وتارة يحاول الظهور وكأنه قائد الحملة العالمية ضد الارهاب،
مزاوداً على أكثر الجهات التي تضررت من الارهاب وحاربته، فبعد أن اتبع سياسة صفر مشاكل مع الجوار في بداية عهده بات اليوم معظم جيرانه خصوما لتركيا بسبب سياسته الرعناء، ولو أخذنا تعاطي أردوغان مع الحرب في سورية وتطوراتها المختلفة معيارا للحكم على هذا التلون والتبدل والازدواجية ـ وهو من أكثر المتورطين في تفاصيلها البشعة ـ سنكتشف لدى هذا الرجل جوانب إشكالية متعددة من الصعب تبريريها أو إيجاد توافق أو انسجام فيما بينها، ما لم نربطها بحالة نفسية أو عصابية يعجز الأطباء عن معالجتها.‏‏

‏‏ففي أوج التحضير والإعداد لمؤتمر سوتشي للحوار والسلام في سورية برعاية روسية اختار أردوغان توقيت عدوانه الهمجي على منطقة عفرين السورية ليلقي بظلال سوداء على حقيقة الدور التركي وجدوى حضوره في المؤتمر، وكأنه يريد أن يقول لروسيا وإيران حلفاء سورية إنني موافق على حضور المؤتمر وسأضغط على «المعارضة» التابعة لنظامي من أجل الحضور شرط أن تغضوا الطرف عما سأرتكبه من حماقات وجنون في عفرين، وفي المقابل يحاول أردوغان أن يظهر وكأنه في مواجهة مع واشنطن في الشمال السوري عبر لهجة تصعيدية تهديدية يظن من يسمعها للوهلة الأولى أنها لن تنتهي بأقل من مواجهة عسكرية أو معركة كسر عظم لحسم مناطق النفوذ المرتجاة في سورية، في الوقت الذي تستخدم فيه واشنطن الأراضي التركية ممرا وقاعدة لنقل السلاح والعتاد لأبرز خصوم وأعداء أردوغان الافتراضيين في شمال سورية.‏‏

ماذا في بال السلطان؟‏‏

ولعل السؤال المطروح هنا ما هي الأسباب الحقيقية لهذا السلوك المتناقض من قبل اردوغان وما سرّ هذا الهيجان الإعلامي والسياسي والعسكري الذي تتسم به سياسته بالرغم أن كل الأطراف المؤثرة في المنطقة تجامل تركيا وتحاول كسبها أو تحييدها من أي تصعيد أو مواجهة قادمة وخاصة موسكو وواشنطن..؟!‏‏

يرى الكثير من المتابعين لسير الأحداث والتطورات في تركيا أن أردوغان وبعد يئسه من إمكانية تحقيق حلمه باستعادة أمجاد السلطنة العثمانية من بوابة «أخونة المنطقة» الحلم الذي راوده خلال ما يسمى «ثورات الربيع العربي» التي اتخذت طابعا متطرفا كان الأخوان المسلمين كمشروع سياسي عنفي حاضرين في كل تفاصيله، استدار أردوغان بقوة إلى داخل تركيا ليوطد دعائم حكمه وسلطاته وقد نجح في إجراء تعديلات في شكل نظام الحكم في البلاد ما جر عليه معارضة ونقمة شعبية ظهرت ملامحها في حركات احتجاجية وأعمال عنف وصلت في بعض مراحلها إلى محاولة انقلابية في تموز 2016، فكان خياره تصدير مشاكله الداخلية إلى الخارج وإشغال الشعب التركي بما يتهدد بلاده جراء ما يجري خلف الحدود، وكانت أقرب الساحات لتصدير هذه الأزمات سورية والعراق اللتان تواجهان إرهابا تكفيريا كان نظام اردوغان جزءا لا يتجزأ منه.‏‏

فالولايات المتحدة الأميركية التي خرجت من البوابة العراقية عام 2011 وعادت مجددا للمنطقة من بوابة الارهاب الذي صنعته وخلفته في العراق، وجدت في الطموح الأردوغاني للعب دور ما في المنطقة ضالتها المناسبة، فشجعته على التورط أكثر فأكثر في دعم الارهاب فاصطف مع محور العدوان ومارس غروره وجنون عظمته بشكل مرضي، ليجد نفسه في لحظة من لحظات الحماقة متورطا أمام مواجهة غير محسوبة العواقب مع روسيا بعد إسقاط طائرة السوخوي في تشرين ثاني 2015 فعاد واستدار بعد أن لقنه القيصر الروسي درسا مناسبا في لعبة الأحجام والأدوار والاصطفافات الإقليمية، وما هي إلا أشهر قليلة حتى فاجأنا أردوغان بانقلاب جديد في سياسته لتشهد العاصمة الكازاخية آستنة على حضور تركيا ضمن الدول الراعية لمناطق خفض التصعيد في سورية وهو دور يتناقض تماما مع الدور الذي أوكل إليها من قبل الأميركيين الذين أرادوها كبشا في محرقتهم وفوضاهم الخلاقة في المنطقة كما هو حال بعض أنظمة الخليج التابعة.‏‏

يقول متابعون للسياسة التركية أن جوهر استراتيجية أردوغان في الداخل التركي تقوم على أساس أن قوة حكمه وسلطته تكمن في إضعاف الدولة وتقويض أنموذجها العلماني وإشغال الجيش بمعارك وحروب خارجية بحيث تتفرغ أجهزته الأمنية لقمع معارضيه وتوطيد حكمه الديكتاتوري الأخواني، وما يعزز القناعة بأن أردوغان يتصرف وفق هذه الاستراتيجية الملتوية هو توهمه بأن عدوانه على سورية وتدخله في الشأن السوري يمكن أن يخلصه من هواجسه الكردية، ويعيده إلى المنطقة عبر البوابة السورية بصورة أقوى ونفوذ أكبر، لكن المياه السورية ستكذب الغطاس التركي عاجلا أم آجلا فكيف إذا كانت وحولا ستغرقه، وليست الاستدارة بغريبة عن سلوك أردوغان متى وجد نفسه في مأزق قاده إليه خبث الأميركيين وجنون عظمته.‏‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث