ثورة أون لاين:
عززت سياسات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الحادة سياسيا واقتصاديا، تجاه الاتحاد الأوروبي، بروز صدع أوروبي أمريكي، بالرغم من متانة العلاقات التاريخية بينهما، القائمة على تحالفات واتفاقيات عدة سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
وبدأ الشرخ الأول، بعد انسحاب ترامب، من اتفاق باريس للتغير المناخي، ثم تعمد ترامب إحداث إرباك في سياسات اقتصادية عالمية، تستهدف الدول الأوروبية، وصولا لمطالبته من الأخيرة، برفع حصتها في دعم حلف للناتو.
ولم تتوقف سياسات ترامب، الهجومية ضد أوروبا، عند هذا الحد، بل استمرت لتشمل فرض رسوم ضرائب على الصلب والفولاذ الأوروبي، ومنتجاته من الألمنيوم، سبقها الانسحاب من اتفاق النووي الإيراني، في استهداف مباشر للشركات الأوروبية العاملة في إيران.
وبسبب الإجراءات الأمريكية رفع الاتحاد الأوروبي، شكوى مقدمة لمنظمة التجارة الدولية، وقرر التعامل مع الإجراءات الأمريكية بالمثل، وصرح وزير المالية الفرنسي برونو لو مير بأن الاتحاد الأوروبي جاهز لاتخاذ إجراءات مضادة ضد التعريفات الأمريكية الجديدة على واردات الصلب والألمنيوم.
وأصدر الاتحاد الأوروبي قائمة من 10 صفحات بالسلع الأمريكية التي ستخضع لتعريفات جمركية ردا على قرار ترامب، بداية من الدراجات النارية من طراز هارلي دي فيدسون إلى منتجات الويسكي، محذرا من إشعال أمريكا فتيل حرب تجارية مع حلفائها.
ومع الإجراءات الأمريكية، التي وصفها محللون، بأنها " إجراءات عقابية"، تثار التساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي، قادر على الخروج من العباءة الأمريكية، والتخلي عن حليفها الاستراتيجي الذي تستند إليه كثيرا في تجارتها وأمنها الإقليمي.
وفي هذا السياق، قالت باحثون في الشأن الأمريكي إن الإجراءات الأخيرة لترامب، تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الأوروبي داخليا، وخارجيا، وخاصة الاستثمارات الأوروبية في أمريكا.
وربطوا تصرفات ترامب تجاه أوروبا، بما وصفته بـ"الفشل السياسي"، لأمريكا في جبهات عدة، كاليمن، وسورية، والعراق، بسبب ضعف دعم الاتحاد الأوروبي لترامب في سياساته تجاه هذه الملفات.
وأوضحوا أن ما يسعى إليه ترامب، محاولة لإخضاع الأوروبيين، لسياسته في تلك الملفات، بالعبث على وتر العلاقات التجارية والأمنية مع الاتحاد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشاروا إلى أن سياسة ترامب أحادية الجانب، تهدف على المدى البعيد، لإنعاش السوق الأمريكي، من خلال تشجيع الصناعات المحلية فيها، إلا أنها تؤثر سلبا على اقتصاد أوروبا، والذي تعاني فيه دول عدة من أزمات اقتصادية كفرنسا، مشيرة إلى الضرر الذي سيلحق بالواردات الأوروبية، التي يستند عليها السوق المحلي، والدخل القومي الأوروبي، ما يؤدي إلى تضخم وركود اقتصادي كبيرين، علاوة على الخسائر التي ستلحق بالشركات الأوروبية.
أما في الجانب الأمني فأنه لا يمكن للطرفين الاستغناء عن بعضهما، في المنظمة الدفاعية للأمن الإقليمي، لافتة إلى أن ترامب، يسعى لتحسين شروطه على أوروبا، في ما يسمى ملف مكافحة الإرهاب.
وفي ما يتعلق بخروج أمريكا من اتفاقية باريس فأن ترامب تذرع بأن الاتفاقية ستقوض الاقتصاد الأمريكي، وستكلف الولايات المتحدة وظائف، وستضعف السيادة الوطنية الأمريكية، وستضع البلاد في موقف سيئ دائم مقارنة بباقي دول العالم.
الأسباب الرئيسية التي دفعت ترامب لاتخاذ هذه الخطوة، هو الهروب من الالتزام الأمريكي لتلك الاتفاقية، وخاصة في مجال إنتاج " النفط الأحفوري" الصخري، الذي انتقده الاتحاد الأوروبي كثيرا، بسبب ما يحدثه من تلوث لمياه الأطلسي، وكوارث بيئية.
إن ما يقوم به ترامب، هو امتحان لاستقلال القرار السياسي والاقتصادي الأوروبي، إلا أن السؤال المهم: هل ستصمد أوروبا أمام الابتزازات الأمريكية؟، وأجابت، بأن مصلحة الاتحاد الأوروبي هي مع أمريكا، وليست الدول الأخرى كإيران وروسيا، ولا يمكن لأوروبا أن تضحي بسوقها الكبير الأمريكي، وحليفها الاستراتيجي في الناتو.
أوروبا لها سجل في الانصياع للقرار الأمريكي، وذكرت على سبيل المثال الموقف الأوروبي من غزو العراق في بدايته كان مغايرا للسلوك الأمريكي، إلا أنها بعد ذلك انصاعت وأرسلت قواتها للعراق بجوار أمريكا، لذلك فإن أوروبا في نهاية المطاف سترضخ لإملاءات أمريكا.
وقال محلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي إنه بالرغم من الخلافات في السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه بعض القضايا، إلا أن علاقتهما في القضايا الأخرى تربطهما خطوط سياسية متفق عليها.
ولفت إلى محاولات فرنسا للعب دور سياسي في المنطقة، وأزماتها، مقللا من فرص وصولها لدور حقيقي كالذي تقوم به أمريكا.
وحول إمكانية تخلص دول الاتحاد الأوروبي، من التبعية الأوروبية لأمريكا، قال إن العلاقة ما بين أمريكا والاتحاد الأوروبي هي علاقة استراتيجية قائمة، على التعاون والتنسيق الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري العالي، لافتا إلى وجود تأثير كبير للسياسات الأمريكية الاقتصادية والأمنية على الاتحاد الأوروبي.
 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث