ثورة أون لاين :

ترجمت روسيا حضورها العسكري والدبلوماسي القوي والفعال في المشهد السوري واستنادها إلى أرضية صلبة من تراكم الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري وحلفائه في الحرب على الارهاب..

بمشهد سياسي حافل تمكن من تجاوز كل العراقيل والمطبات التي وضعتها واشنطن وتحالفها العدواني الداعم للإرهاب والفوضى في طريق المساعي المبذولة لإطلاق حوار وطني سوري يؤسس لنهاية الحرب ويرسم مستقبلا يتطلع إليه كل السوريين بأمل وتفاؤل، فكان مؤتمر «السلام للشعب‏

السوري» الذي انعقد خلال اليومين الماضيين في منتجع سوتشي الروسي استجابة لرغبة روسية سورية في هذا المجال وتعويضاً عن الإخفاقات التي سببتها ملهاة جنيف التفاوضية نتيجة أوهام ما يسمى وفد «المعارضة» وشروطه المسبقة وتدخلات وإملاءات مشغليه من القوى والجهات الداعمة للإرهاب.‏

تتويجاً لبطولات الجيش العربي السوري‏

فعلى مدى اليومين الماضيين كانت مدينة سوتشي الروسية ملتقى للحوار السوري السوري بين نحو 1600 شخصية يمثلون شرائح المجتمع السوري بمختلف أطيافه وتنوعاته على قاعدة البحث عن أفضل أنموذج لحل سياسي للأزمة المستمرة منذ سبع سنوات، ليكون الحدث بذاته تتويجا حقيقيا لبطولات الجيش العربي السوري وتضحياته في محاربة الارهاب ورغبة أبناء الشعب السوري بوضع حد لهذه الحرب الارهابية المفروضة على وطنهم، كما جاء الحدث ليترجم فشل أعداء سورية ممن حاولوا‏

بشتى السبل والوسائل إطالة أمد الحرب وتدمير كل ما يمكن تدميره وتمرير أجنداتهم التخريبية المكشوفة من تقسيم وتدويل وفدرلة ومناطق نفوذ، خدمة لمصالح الكيان الصهيوني وبعض الدول الإقليمية والغربية الطامعة.‏

فبعد سبع سنوات من الحرب والإرهاب والتدمير والتهجير والتدخلات الخارجية، عاد السوريون إلى طاولة الحوار الوطني، للمرة الأولى منذ حوار«مجمع صحارى» الذي انعقد في دمشق (تموز 2011)، لكن في مدينة روسية ازدانت شوارعها‏

ومبانيها بعبارة «السّلام للشعب السوري» وعلم الجمهورية العربية السورية، الذي حاول الإرهاب والمتآمرون تغييبه واستبداله بعلم آخر دون جدوى.‏

الجديد والمميز في هذا المؤتمر أنه انعقد في غياب التدخلات الخارجية للدول الداعمة للإرهاب وخاصة أميركا وأدواتها ممن كانوا يفرضون إملاءاتهم على جولات جنيف، وبحضور غير منحاز من قبل الأمم المتحدة التي مثلها ستيفان ديمستورا بصورة جديدة بعيدة عن وساطته خلال جولات جنيف التفاوضية، وأما المعارضة فقد انقسمت على نفسها حضورا ومقاطعة تبعا‏

للأجندة التي تعمل لأجلها أو الجهة التي تشغلها، وانسحب البعض منهم تاركا للنظام التركي مسؤولية التحدث باسمه بسبب اعتراضه على بعض الشكليات، ولكن بعد أن أدرك الجميع أن قطار الحل السياسي في سورية قد انطلق بقوة ولا عذرا لمن تأخر عنه أو حاول وضع العصي بين عجلاته.‏

الدور الروسي البناء‏

لقد دأبت روسيا منذ بداية الحرب في سورية على الاتصال بكافة الأطراف السورية موالاة ومعارضة وقوى سياسية وأحزاب وقوى وطنية وفعاليات مجتمعية بهدف الوصول إلى حل سياسي للأزمة، وكان لمركز حميميم للمصالحة دور مهم في الاتصال مع أغلب الجماعات المسلحة السورية في إطار ما يعرف بمسار آستنة من أجل وقف إطلاق النار وتخفيض التوتر والتصعيد خدمة للهدف الأساسي وهو إنهاء الحرب، كما انصب الجهد الروسي الأكبر في الأشهر الماضية على التحضير لمؤتمر سوتشي، من أجل إطلاق حوار وطني على قاعدة توسيع رقعة المشاركين وتقريب وجهات النظر بينهم حول مختلف النقاط الخلافية لكي يكون الحل شاملا ومتكاملا ومعبرا عن تطلعات السوريين جميعا.‏

عراقيل ونوايا مكشوفة‏

رغم حرص موسكو على حضور معظم الأطراف الدولية المؤثرة بصفة مراقب في المؤتمر فقد بدا واضحا منذ تسريب ما سمّي «المبادرة الخماسية»، النيّة الغربية ــ الأميركية والفرنسية تحديداً ــ لإفشال المؤتمر، وبحسب المعطيات المتوفرة فإن الأميركيين أبلغوا من يعنيهم الأمر، نيتهم المشاركة في المؤتمر عبر ممثلين دبلوماسيين من السفارة الأميركية في موسكو، قبل أن يعودوا ويتراجعوا عن المشاركة، وقالت السفارة الأميركية في موسكو إن واشنطن لن تشارك بصفة مراقب في سوتشي، وهي تحترم قرار «هيئة التفاوض» المعارضة مقاطعة المؤتمر، أما فرنسا فقد أكدت غيابها عن المؤتمر، وحاول وزير خارجيتها جان ايف لودريان، التشويش على المؤتمر عبر إدعائه بأنه لن يسمح بإحراز تقدم»، مبررا ذلك بغياب وفد «الهيئة العليا للتفاوض».‏

أهمية سوتشي‏

يرى العديد من المتابعين لحدث سوتشي أن أهميته تنحصر في النقاط التالية:‏

ـ عندما بدأ مسار محادثات آستنة حاول الأميركيون ومعهم دول غربية وعربية إفشاله وتصوير لقاءاته بأنها غير مجدية أو فعالة، لكن تبين بعد عام أن المساعي التي بذلت في آستنة قلّصت الأعمال العسكرية بشكل كبير جدّاً، وحصرت مناطق الصراع وأدخلت البلاد في اتفاقيات «تخفيف التصعيد» وأنتجت حواراً ومصالحات في العديد من المناطق السورية رغم محاولات الجماعات الارهابية المرتبطة بتحالف العدوان عرقلتها. وبالتالي فإن مسار آستنة قد أثّر بشكل إيجابي على مسار جنيف وفيينا، ولولاه لكانت الأزمة إلى تفاقم وليس إلى انحسار.‏

ـ إن مسار سوتشي شبيه بمسار آستنة، لكن في السياسة، لأنه يحظى بدعم القوى الإقليمية المعنيّة كإيران وتركيا بدرجة أقل على اعتبار ان النظام التركي له أطماع وأجندات قريبة «للمعارضة»، وشريحة كبيرة جدّاً من الشعب السوري، وهذا ما يجعل من مسار سوتشي عمليّة حوارية تراكميّة تؤسس للحلّ السياسي في سورية.‏

ـ تحاول واشنطن ومن معها رسم مسار مختلف لسورية، شبيه بالحالة اللبنانية التي أعقبت مؤتمر الطائف اللبنانية عبر التفاوض بين المتحاربين على تقسيم البلاد بين الطوائف، فيتحوّلون إلى فئات تقع تحت تأثير القوى الخارجية ويعبّرون عن مصالحها، بينما التجربة الحوارية ترسم مساراً لإصلاح الدولة السورية وليس إلى تقسيمها، وهنا تصر موسكو على أن «سوتشي» ملتقى للحوار‏

وليس للتفاوض، لأن التفاوض يكون بناءً على سيطرة مجموعة ما على بقعة جغرافية ما وتطالب هذه الفئة بـ«حقوقها»، فيما الحوار يتعامل مع الحاضرين من خلفية تحقيق الإصلاح في الدولة السورية الواحدة.‏

بين سوتشي وجنيف‏

لم تقل موسكو أن «سوتشي» هو بديل عن جنيف المتعثر ولكن ثمة اختلافات بين المسارين، ففي سوتشي يلتقي ممثلو الشعب السوري بكل مكوناته السياسية والاجتماعية فضلاً عن حضور ممثلين عن أحزاب المعارضة في الداخل والمجموعات المسلحة الموجودة على الأرض والتي وافقت على الدخول في مصالحات وتهدئات أو وقف الأعمال القتالية وصولاً إلى مناطق تخفيف التوتر من أجل الحوار حول مستقبل سورية ودستورها الجديد ونظامها السياسي المعبر عن تطلعات شعبها، بينما يقتصر جنيف على وجود وفدين فقط هما وفد الحكومة السورية ووفد ما يسمى «المعارضة» التي تدعي تمثيل الشعب السوري مع انعدام تأثيرها على الأرض وارتهانها لأجندات قوى خارجية ووساطة أممية.‏

المطلوب من سوتشي‏

يتطلع السوريون بأمل وتفاؤل لمؤتمر سوتشي باعتباره فرصة مهمة جدا لوقف الحرب والانطلاق نحو حوار وطني حقيقي يخرج البلاد من أزمتها المستعصية، ولكي ينجح المؤتمر ويحقق المطلوب منه يجب أن تكون مخرجاته واضحة لجهة محاربة الارهاب وتحديد النظام السياسي المتبع والموقف من كل القضايا الوطنية المطروحة، وأن تكون التسوية السياسية قائمة على أساس سيادة واستقلال ووحدة سورية أرضاً وشعباً.‏

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث