ثورة أون لاين :

في متوالية الأحداث السياسية وفي إطار سعي الدولة السورية الحثيث لفتح آفاق لحلول جادة موضوعية توقف الحرب الشرسة المعلنة على الوجود السوري ككل وترأب الصدوع التي افتعلها رعاة الإرهاب العالمي ومستثمرو الفتن والحروب،

انعقد مؤتمر سوتشي في مساع حثيثة من الدولة السورية لتوحيد الصف السوري في مواجهة ما يحاك للسوريين من مخططات تستهدف وجودهم ووحدة أراضيهم، انطلاقاً من مسلمات أن انتصارات الميدان السوري وحدها من رسم آفاق المرحلة الراهنة، وفتحت أبواب الحلول السياسية في سوتشي وقبلها «آستنة» وبعدها جنيف, فاردة أوراق قوة صمود وثبات الدولة السورية على طاولات الحوار بعد رهانات عبثية على استنزافها بسنوات سبع من حرب شرسة شُنت عليها.‏

الدولة السورية على ثقة مطلقة أن مؤامرات رعاة الإرهاب على سيادتها ووحدة جغرافيتها لم تنته واللهاث الغربي المحموم لتعطيل الحوار السوري مستمرة, وأنها في كل مرة ستغير تكتيكاتها بنفخ خبيث بمشاريع التقسيم والتعدي على وحدة أراضيها, سواء في الجنوب السوري خدمة لمصالح «إسرائيل» أم في الشمال السوري الذي يسيل لعاب النظام التركي لاقتطاع مساحات منه.‏

في سوتشي كما في غيرها من مؤتمرات تعنى بالشأن السوري بقيت سورية محصنة بسيادة قرارها الوطني وعصية على المتآمرين ذخيرة نصرها شعب صامد وجيش اجترح المعجزات، وستبقى على الدوام تستولد الانتصارات من رحم الحرب وتسجل كل يوم نصراً جديداً في السياسة والميدان ينقش في سفر المجد السوري.‏

وفي تفاصيل المشهد القادم من جنيف توجه المجتمعون في سوتشي تحت راية العلم السوري إلى قاعة المؤتمر الذي شكل بداية مرحلة سياسية جديدة، ووجهتهم السلام لسورية بعيداً عن كل الإرهاب والخراب الذي حاول أعداء سورية نشره، فهو سيكون فرصة للحوار ولامكان للتفاوض وفرض شروط على مقاس مشاريع أرباب العدوان الذين حاولوا التسويف والعرقلة، وفي ضوء هذا الواقع بات المجتمعون في سوتشي أمام تحدٍّ كبير لاجتراح حلول قادرة على النهوض بالتسوية السياسية، ليس من أجل مواجهة العرقلة فحسب، بل تحدي احترام وعمل من أجل المصلحة الوطنية السورية التي تقوم على التمسك بوحدة سورية وحريتها واستقلالها وسيادتها، ورفض أي مشروع من شأنه أن يمس مباشرة أو مداورة بهذه الثوابت، من هنا سيكون سوتشي قاعدة انطلاق ثابتة للبحث عن حل يخرج سورية من الأزمة.‏

انطلق مؤتمر الحوار السوري من شعار حمامة بيضاء اللون تحمل العلم السوري معلناً بدء حوار قد يكون فرصة كبيرة للتوصل إلى الحلول السياسية التي تضمن إعادة الأمن والسلام إلى الأراضي العربية السورية بعيداً عن الأجندات الخارجية.‏

وفي أروقة سوتشي اكتمل نصاب من حضر بوجود 1511 شخصية سورية ممثلين عن مختلف الجماعات الاجتماعية والسياسية منهم 107 ممثلين عن المعارضة الخارجية، ليبدأ مسلسل جديد من العرقلات التي حاولت الدول التي تقف خلف «المعارضة» المشاركة فرضها في الوقت الضائع حيث حاولت بعض أطراف ماتسمى «معارضة» المتمثلة بالفرقة 13 المدعومة أميركياً، تأخير انعقاد الجلسة الأولى لرفضها المرور تحت العلم السوري فبقي 4 أشخاص فقط منهم بينما قرر 83 آخرون المغادرة، وهي أول شروطها المعرقلة التي افتتحت بها يومها الأول، كما قررت مجموعات أخرى بعد وصولها الى سوتشي عدم المشاركة وسلمت راية عمالتها للوفد التركي ليقوم بتمثيلهم وكأن كل العدوان الذي تمارسه تركيا على عفرين لم يكفها لتزيد من تآمرها عبر محاولة التدخل لعرقلة المؤتمر حتى بعد بدئه، حسب ما نقلته بعض المصادر الإعلامية من سوتشي، رغم أن التركي أعطى بعض الوعود «بتخطي المشاكل»، عبر اتصال وزيري الخارجية الروسي والتركي، وهو ما أكده مصدر في وزارة الخارجية التركية، فكان الحال على أرض الواقع مغايراَ للضمانات.‏

ضجت قاعة المؤتمر بالحوارات التي وجه قبل بدئها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة نقلها وزير خارجيته سيرغي لافروف: بأن «يكون هذا الحدث فرصة من أجل التغلب على الأزمة، وخاصة أن الظروف أصبحت مهيأة لإغلاق صفحة مأساوية في التاريخ السوري».‏

افتتحت الجلسات بالتصويت على اختيار هيئة رئاسة للمؤتمر ولجنتي الإشراف على التصويت والتنظيمية، وقدمت اللجنة التنظيمية تقريرها لرئاسة المؤتمر وجاء فيه أن عدد المشاركين الذين يعكسون شرائح المجتمع في سورية بلغ 1292 شخصاً و101 شخص من معارضات الخارج إضافة إلى حضور نحو 34 ضيفاً من الدول الأجنبية المدعوة ووفد يمثل الأمم المتحدة مؤلف من 19 شخصاً برئاسة مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستافان دي ميستورا.‏

العودة إلى الشروط المسبقة‏

وشكل بدء المؤتمر بمن حضر تهديداً لمحور أعداء سورية لأنهم رأوا في نجاحه مقبرة لأحلامهم ولأهداف عدوانهم ولذلك عملوا على عرقلته أو نسفه بشتى الوسائل واستخدموا كالعادة الأمم المتحدة في محاولات التخريب لكنهم فشلوا، بيد أن هناك بعض أطراف ماتسمى «معارضة» حاولت المراوغة بالتركيز على بعض أوراق آستنة، حيث دعت رندة قسيس إلى ضرورة التركيز على صياغة دستور جديد لسورية، وهو ما وجده مشاركون من المؤتمر قابلاً للنقاش فقط وليس للإقرار، حيث سيتم خلال المؤتمر تشكيل لجنة دستورية استشارية، مهمتها مناقشة الدستور السوري فقط من دون تعديله، بعيداً عن المصطلحات التي تحاول السعودية والولايات المتحدة الأمريكية تمريرها لكي يختلط الأمر على الشعب السوري، وفقاً لبعض المشاركين، فيما تبقى التوصيات التي سيتم التوصل لها استشارية فقط وغير ملزمة لأي طرف من الأطراف، حسب المشاركين.‏

سوتشي صفعت العدوان التركي‏

في الوقت الذي رفع فيه سوتشي شعار السلام للشعب السوري، كانت الطائرات التركية تكمل ما دمرته التنظيمات الإرهابية، لجهة ما دمره العدوان التركي من مواقع أثرية في عفرين، فمع استمرار هذه العلميات بحصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، خرج رئيس النظام التركي للدفاع عمن كانوا السبب في نشر الإرهاب على الأراضي السورية ما يسمى «الجيش الحر» ومكونه الأساسي عدد من التنظيمات الارهابية التي نشرت الخراب والدمار في كثير من المناطق السورية.‏

بالمقابل خرج تطور مفاجئ قد يرتبط بدوران العملية السياسية في سوتشي، حيث ظهر تراجع واضح للتصريحات التركية التي خرج بها أردوغان وعدد من المسؤولين الأتراك بأن العدوان التركي سيمتد نحو منبح بريف حلب، حيث قال نائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة التركية، بكر بوزداغ، إنه لا يمكن تحديد موعد لإنهاء العدوان في عفرين، مؤكداً أن قوات بلاده الغازية ستنسحب فور انتهاء العمليات، فهل يعني ذلك تراجعاً تركياً عن تحقيق مبتغاها، أم استطاعت إفشال المشروع الكردي الذي زعمت قيامها بالعدوان لأجله وفقاً لوجهة النظر التركية، وهو ما جاء عبر صحيفة «كوميرسانت»، التي عنونت مقالتها بـ «فصام الأكراد».‏

وينقل المقال عن مدير مركز المعلومات التحليلية العلمية بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، نيقولاي بلوتنيكوف، أن تطور الوضع في سورية أثر فيه العاملان التركي والأمريكي، حيث تسعى أنقرة إلى منع ظهور مشروع كردي على حدودها، في حين الولايات المتحدة، على العكس من ذلك، تخطط لإنشاء جيب كردي في سورية بالإضافة إلى كردستان العراق التي أنشأتها، لذا كان الأكراد بحسب الصحيفة رهائن في المواجهات بين تركيا والولايات المتحدة، فيما وجدت الصحيفة وفقاً لمركز الدراسات أن مشكلة العدوان على عفرين لن تحل إلا بدخول الجيش العربي السوري إليها، عندها لن يخاطر الجيش التركي بالدخول في مواجهة مفتوحة».‏

ليبقى هدير الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري في ريفي إدلب وحلب يطغى على جميع الأصوات، وهو الذي سيرسم ملامح الحلول السياسة القادمة، وسيقف في وجه جميع المشاريع الغربية التي تريد تصفية هذه الحلول.‏

نحو دمشق‏

تتسارع الأحداث السياسية والميدانية وتترابط، فما يجري في عفرين ليس ببعيد عما يتداول في سوتشي، وما يجري في شرق سورية غير بعض الوقائع في واشنطن، فقد اعتبرت دراسة أمريكية أن الولايات المتحدة في الواقع تقبل ببقاء الدولة السورية، على الرغم من التصريحات المعادية التي تستمر أبواقها بإطلاقها هنا وهناك، حيث استعرضت الخبيرة في شؤون التخطيط الاستخباراتي، جينيفر كافاريلا من معهد دراسة الحرب: بأن الاستراتيجية الأمريكية في سورية التي أعلن عنها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون قبل عدة أيام غير صحيحة، وتحدثت عن النقاط التي يجب على الإدارة الأمريكية تغييرها، حسب رأيها.‏

وأوضحت الخبيرة أن واشنطن لم تعط الأوامر لميليشا «قسد» التي تدعمها لتقاتل الدولة السورية، ولم تسع لإسقاطها، لذا يجب على الولايات المتحدة أن تواجه الواقع وتعترف بمحدودية أدواتها على الأرض، وبأنها تقبل بالدولة السورية.‏

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث