ثورة أون لاين-ديب علي حسن:

كان مشهداً ربما لايتكرر إلا قليلاً، أمس الساعة العاشرة ليلاً، حارتنا تكتظ بمن أخرجوا كراسيهم وجلسوا على عتبات الأرصفة، الوجوه متقابلة على غير العادة والمألوف، إذ كنت تمر بمثل هذه الساعة ترى المشهد نفسه تقريباً،
لكن مع فارق ان الجميع مشغولون بشيء ما، تظن انهم منهمكون بفعل إبداعي يقتضي منهم الانحناء قليلاً على جهاز بسيط بين الايادي، إنه الهاتف المحمول، وعلى الطاولة الصغيرة إبريق شاي، أو قهوة، وغالباً ما تكون المتة سيدة الحالة، تلقي السلام يردون بصوت موحد (وعليكم السلام) لا ترتفع الرقاب إلا بمقدار ما يسمح أن تظن أنهم فعلاً يتحركون احتراماً لسلامك، لكن لبرهة قصيرة تعود الرؤوس الى الحالة السابقة.‏

أمس كانت الحال غير تلك، حديث وسلام، ودعوات للسهر، ولكن شيئاً ما يجعل الجميع قلقاً، وبعيون نصف غاضبة تتحرك وتسأل من غير ان يتحرك اللسان، فيأتي الجواب من طرف آخر: لا ، لم يأت النت بعد، مقطوع، تنطلق عشرات التعليقات (يا أخي شو هالحالة، ندفع مبلغاً كبيراً واذا ما تفضلوا وفعلوا النت فإنه يأتي لبضع دقائق، ومع ذلك فهي قادرة على فعل شيء، يضيف آخر: المهم الوزارة تقبض وعمره ما يكون نت، وتمضي التعليقات على الأداء الرديء الذي مقابله يدفع المواطن أغلى ثمن ممكن أن يدفعه في أي مكان آخر).‏

أكتشف أن كارثة كبرى قد حلت، انقطاع (النت) وانشغال الجميع ببعضهم بعضاً، مضطرون أن يكونوا معاً، يفتحون أحاديث منذ زمن لم تكن سيدة السهرات، عالم افتراضي كان يأخذهم ويجول بهم \ بنا إلى حيث ندري ولا ندري، إدمان نعيشه، نمارسه كل واحد منا مشدوداً إليه بطريقة ما، أخذ الجميع من عوالمهم الاجتماعية والثقافية، وممارسة حيواتهم بشكلها العادي، تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى ثرثرة ولغو إلا ما ندر، معرض للطبخ والنفخ والسياحة والسباحة، والقصائد المعصومة من الشعر، وبطولات نمارسها، وكل واحد منا له ميدانه وهو حر في الصولات والجولات، في البيت والعمل والسيارة والمقهى وحيث تتوفر الفرصة الازرق سيد الموقف، وشركات الاتصالات هي الرابح في حصاد المزيد من المال، ثوان كفيلة باستهلاك مئات الليرات من رصيدك إذا ما قررت أن تفتح صفحة الفيسبوك من رصيد الوحدات، ولا تعرف كيف حصل ذلك.‏

نعم، أمس كان مختلفاً في حارتنا وأظن الأمر كذلك في مختلف انحاء سورية ولاسيما المناطق الجنوبية التي انقطع فيها (الانترنت) واتيحت الفرصة لساعات من التواصل عن قرب، تخلينا مكرهين عن عالم افتراضي أرهقنا وأرهقناه، أخذنا إلى حيث يريد الآخرون، ابتدعنا أمراضاً جديدة في النفس والحياة والتفاعل الاجتماعي والثقافي والأسري، عطل طارئ لساعات كان كفيلاً أن يخرجنا من العزلة القهرية التي صنعناها وارتضيناها معادلاً موضوعياً للكثير من الخيبات والانكسارات، تبددت في الصباح ليكون الحصاد على صفحات الأزرق تعليقات ونهفات، وتبادل معلومات وآراء وتحليلات لما جرى، بعضهم رأى القرش الأزرق الذي قرض الكوابل في المتوسط، وتمنى أن يخضع لدورة تأديبية، وآخرون حلقوا بعيداً فيما جرى، والكل يلح بالسؤال عن أسباب ما جرى، لا لأن مصالحهم تقطعت، فلو كانوا بالعمل وجاء من يراجع في معاملة ما، لكان السرورعلى وجوههم: (ما فيه شبكة راجع بكرة) أما ليلاً فالأمر مختلف الأزرق الغائب جعلنا في حيرة من أمرنا، كيف نقضي ساعات الليل، كيف نمارس الكثير من شغبنا وثرثرتنا ونفرغ ما تراكم من صدأ غالباً ينصب على صفحات تكاد تنوء على اتساع فضائها، تنوء بما تحمله، ليلة من غير أزرق، فهل فكرنا بحصاد ما كان من ألفة بغيابه ..؟‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث