ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

مصادفة التقيته.. ذلك الصديق الذي يرأس مؤسسة ثقافية عريقة في العالم العربي، بابتسامة هادئة دعاني لمكتبه الأنيق.. والنهر الخالد الذي تغنى به الشعراء، وصدحت باسمه أعذب حناجر الشرق يمتد على مرأى منا، وكأنه نهر من فضة..
قال لي: قبل عقود من الزمن، وقبل أن تباغتنا ثقافة الاستهلاك، والتقنيات الحديثة كان النهر يتدفق بصفاء أكبر.. وكذلك كانت نفوس الناس.. أما وقد انصهرنا جميعاً في أتون المعاصرة فقد تبدلت الأخلاق، وتغيرت النفوس.. وغاب الفرسان.. أترانا في أزمة، أم أنها ثقافة الزحام؟‏

وتلفتني العبارة الأخيرة.. إذ متى كان للزحام ثقافة؟.. وأي ثقافة هذه لما هو يتجاوز تنظيم الأشياء؟.. وأي زحام يقصده؟.. هل هي تلك الشوارع التي تكتظ بآلاف البشر، ووسائل المواصلات.. أم أنها تلك الأبنية السكنية التي تتطاول في البنيان، وكلما نهضت نحو الأعلى كلما ارتفعت الأسعار؟.. أم أنه زحام أصناف التلوث البيئي الذي بات يلفنا من كل اتجاه؟‏

وكأنه قرأ حيرتي وأنا أقلّب السؤال بين هذا الأمر وذاك، فيقول لي: إنه زحام الأفراد الذي تعاظم في سباقهم نحو مكاسبهم مهما كانت قليلة، وضئيلة.. والعين ترصد من بعيد المقام الأول، والمكان الأمثل، ولو قلت الكفاءات، وتهاوت الثقافات، وانعدمت الخبرات.‏

وأعود لأسأل نفسي: أتراه الدافع الاقتصادي سبباً.. أم أنه الواقع الاجتماعي الذي تبدل، وتغير ليصبح أكثر هشاشة، وسطحية.. أو أنها الثقافة التي يمتصها الاستهلاك حتى كاد يبتلع جزءاً من منظومة القيم التي تحكم مجتمعاتنا؟‏

وإذا كانت الأعداد السكانية للدول تصنف على أنها ثروة قومية، وقوة يجب النهوض بها فلماذا لا يأخذ كل فرد مكانه في المجتمع حسب إمكاناته العلمية، والفكرية، والمهنية لا حسب طموحاته الوهمية، والتي إن تحققت فهي لا تدوم لأن الفشل سيكون قابعاً وراء باب المكان؟.‏

لكن الزحام الذي قد يتطور الى مراحل لا تخلو من العدوانية، والتعدي تماماً كما هو زحام الأجساد في مواجهة ضيق المكان.. إنما ينعكس تأثيره السلبي على الأسرة أولاً إذ تتضح الصورة، ثم في الحلقات الاجتماعية الأكبر فالأكبر.. عندما ينسى المرء كفاءاته الحقيقية، ويصبح الحلم هوساً، ولهاثاً نحو الهدف غير المستحق.‏

إن الطبيعة البشرية، والسلوك الإنساني هما ذاتهما في كل المجتمعات ولدى كل البشر، لذلك كان على علم الأخلاق أن يضع الضوابط، ويحدد مسارات السلوك ويوجهها، وحسب رأي عالم النفس والاجتماع (جون ديوي) فإن الأخلاق تتأسس وفقاً للطبيعة البشرية، أما السلوك الإنساني فهو يتشكل من التأثير المتبادل بين الفرد، والمجتمع.. وما التغيرات التي تطرأ على الأفراد إلا نتيجة هذا، ولا سبيل لتصحيح الخلل، أو الارتقاء بالشخصية الإنسانية، والانتقال الى طبقة أعلى إلا من خلال البنية الاجتماعية للمجتمع، والبيئة المحيطة.‏

ولما كانت البيئات العربية متقاربة عموماً في ظروفها الاقتصادية، والاجتماعية، وملامحها الحياتية فإن ما يطرأ على إحداها يجد له صدى لدى الأخرى.. أما المشكلات، والى جانبها الطموحات فهي تكاد تكون واحدة لدى البلدان العربية.. كذلك التحولات الاجتماعية، والثقافية التي أخذت ملامحها تبين لدى أغلب هذه المجتمعات.‏

وهذه التحولات بدأنا نلحظها في أبسط صورها ونحن نتزاحم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ليستعرض كل أحد قدراته الاجتماعية، وكفاءاته الإبداعية، وأهليته العقلية.. وقد يصل الأمر الى أن يصادر الواحد رأي الآخر وهو غارق في الزحام.. فهل يا ترى أصبحت ثقافتنا هجينة بعد أن كانت أصيلة، أم أنها ثقافة جديدة مازالت هلامية ولم تتشكل بعد؟‏

وأهمُّ لأغادر الصديق الأديب.. وألتفت لألقي نظرة أخيرة على النهر العظيم.. فأرى ماءه يلتمع ببريق مختلف وكأنه يعد بشمس جديدة تغسل كل تلوث، وتنفي كل زحام.. شمس تشرق لتذيب حرارتها كل خلاف، واختلاف.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث