ثورة أون لاين - شهناز فاكوش:

أقلام كَتَبَتْ، أرَّخَت ووثقت.. حللت ووضحت، كشفت وبينت.. كم من قلم أسقط حُكماً وكم من قلم ساهم ببناء وطن وتحرير أرض..

أقلام خلَّدت أحداثاً وحفظت تاريخاً.. أقلام عممت فرحاً.. وأخرى أسدلت ستائر حزن..وثالثة راثية أو مادحة.‏

ولكن ماذا إن انتهى العمر وترجل القلم في رحلة نهاية المداد.. هل ينقطع نسغ العطاء.. أم يظل شريانه يتدفق في ذاكرة مخبوءة، أو على صفحات اعتنقت فحم الحياة وحولته إلى ماس؛ عندما احتضنها سحر رؤىً وقفت على ناصية الحروف..‏

استفاق صبحٌ تشريني لتكتب أقلامٌ وضاءة خبو قلم العلامة عفيف البهنسي.. شيخ المؤرخين لحضارة وطن وتاريخ أمة.. وصبح آخر انطفأ فيه قنديل عمر، جفَّ فيه قلم خالد الأشهب في عزِّ عطائه.. كم مجحف أيها الموت في حق الوطن وقت تعبه..‏

تجوَّلْتَ في أرجائنا بأشكال غير معهودة، أفقدْتنا فيها شباباً وأطفالاً وشيباً..تَمَلَّكَتْكَ يد الغدر والإرهاب وكلما تفلَّتَ منهما صعَقْتَنا بانتزاع قامات، تكلَّفَتْ سنواتُ الزمن في عملقتهم بسحر عطاء أقلامهم..لتترك صفحاتهم مجللة بالحزن، منقوشة في القلوب..‏

بقدر ما مهنة الكتابة تكرس وثائق فكرية وثقافية، لأنها الوحيدة القادرة على التجوال في ضمائر البشر على اختلاف مشاربهم السياسية.. بقدر ما هي الوحيدة التي يمكن أن تكون أسوأ من كل الطغاة, لتكون مطية للحقد والضغائن..تنسج صليباً أو هلالاً..‏

القلم يمتص الزمن دون حساب للوقت؛ عندما ينساب عبر الجدر الصماء في حيوية السياقات الفكرية، ليرسخ ثقل الأحزاب والنخب في مناعة وطنية تكون الممر الوحيد المؤسس لثقافة العقد الاجتماعي.. بفيءِ عرائشَ مدماكها حكايا تطوي تعب الشعوب‏

قلم خالد مشدود إلى ضياء نور الشمس بثقافة وطنية اعتنقت أيديولوجية مقفاة بمحبة أبدية تجلت في عمق الصراع سواء كان باغياً أو منتقماً, كأقوى المحاربين متملكاً ناصية الصبر وصقيع الانتظار,في زمن الشح والسني العجاف. لأن الوطن سيعيش.‏

أما قلم العلامة فصار وشماً في خوابي الذاكرة، مدوناته الكتابية نقوش ورسم، وفي العمران عنوان زاخر المقاصدِ،حاك المعاني الثقافية الموروثة والمكتسبة،كما حيكت حكايات سمير أميس..ما جعل الشرق لؤلؤة الحب. تصفق له راحات الأكف بحرارة‏

طافت أقلامهما بواحات الورد والياسمين، مضيئةً معالم وطن التحضر الفكري، في مواجهة دول تزيد عكارتها مواقفها البالية المهترئة كضمير العالم الأصم، الساعي لاستيطان الحزن في نفوسنا وأرواحنا.فنجترح أحلامنا في ليالي القهر ببدعة العطاء.‏

رسخت أقلام الفقيدين كل في مجاله جذوة قابلية التجدد والانبعاث، في منظومة قوى الداخل القادرة على ترسيخ العطاء والبناء، ضد تآمر استعماري، سلالات تاريخه معنا عميقة،امتطى عنتريات هواه شياطين الفتنة كابوساً رابضاً،في غير زمن مرَّ بنا‏

عملت أقلامهما على تحطيم قصورٍ خشبية هشة المدماك بناها مستهدفونا في عقول مالت للركود والانكفاء، مترددة تحاول النأي بنفسها ظناً أنه طريق الخلاص.. في فروسية مصطنعة، يرمِّدُها غياب السؤال..ويتملكها حلم الاستمرار بسلام،(مهدور).‏

نضب مداد أقلام بتوقف القلوب عن ضخ نبض الحياة، في عراك اللحظات الأخيرة قبل ارتماء القلم على الصفحات التي لم تكتمل.. لكنها زنرت بسلوكيات صافية نقية.. اكتنفتها الأبوة والمرجعية، تأذت بالصدود في بعض الزمن المرهَق بثغاء الكون..‏

كَتَبَتْ لبناء مستقبل يَرْسَخ على الأرض، وفي رحابات السماء العالية، وبين البرية مؤكدة أن الروح مفعمة بثقافة التغيير .. ليسكن الإله في التاريخ والوجدان.. يتجلى بصفاء النوايا.. هرباً من عصر تكفير الكلام..إلى ساحات الحياة الممتدة للأمل الآتي‏

بون شاسع بينها وبين عقول جافة وقاحلة، هربت في وقت الشدة واختبأت خلف ظهر الواقع، بينما كانت تتكسب من أقلامها زمن الرخاء..ظناً أن مطر الأمل لن ينهمر فأجدبت أبجديتها.. وتاهت سفنها في خضم زواريب ضاقت عليها حروفها..‏

هل لمن يسير على درب الوطن من أبناء مدرستيهما العفيفة، أن يتقدم الصفوف لنشر شرعة الحب رداً على عالم التوحش الذي يغزونا، تاركاً عناكبه تنسج شباكها في عقول البعض حتى بعد القضاء عليه وانتزاع النصر من صدر غياهب الحرب.‏

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث