ثورة أون لاين _هفاف ميهوب: «مدام بوفاري» تطاردني ...غوستاف فلوبير - أديب فرنسي:‏

كتب «غوستاف» إلى صديقٍ ناقد, يخبرهُ مقدار ما سيطرت عليه شخصية بطلة روايته «مدام بوفاري»: «عندما كنتُ أصفْ تسميم «أيما بوفاري» لنفسها, كنتُ أحسُّ بطعم السمِّ في فمي.‏

إن شخصياتي المتخيلة هذه, تطاردني, أو ربما كنت أنا الموجود داخل هذه الشخصيات»..‏

هذا ما شعره «فلوبير» تجاه أهم وأشهر شخصيات أعماله.. «مدام بوفاري».. الرواية التي استمدَّها من واقعٍ عاشه بحسٍّ مرهف وخيالٍ جامح, أضفيا على نفسيته الشعور بالوحدة والعزلة, بل بالتشاؤم الذي كان موضة عصره المعروف بعصرِ الرومانسية..‏

بيدَ أن السبب الأكبر في تشاؤمهِ كان مرض الصرع الذي حال بينه وبين أن يعيش حياة طبيعية, وكذلك بينه وبين الزواج الذي أضرب عنه دون أن يتوقف عن الحبِّ والتنقل بين النساء, ومذ كان طالباً في الخامسة عشرة من عمره, وبصفاتٍ منها النشاط والميل إلى الانعتاقِ من كلِّ ما سبَّب له ولقلبهِ خيبات وإخفاقات كثيرة..‏

من هنا يُعتقد أن «فلوبير» عرف «مدام بوفاري» بين من عرفهنَّ من النساء, ذلك أنه ميَّزها بالنشاط والتعالي والرغبة بالانعتاق من قيود الحاضر والانطلاق إلى مستقبلٍ انخرطت فيه بعلاقة حب لم تكن تدري بأنها ستقودها إلى حتفها الذي اختارته بعد أن سُدَّت أبواب الحياة في وجهها...‏

كدت أنتحر بعدَ «آنَّا كارنينا»‏

ليف تولستوي - أديب روسي:‏

إن رغبة «تولستوي» بنقد المجتمع الروسي الذي كان مفككاً وغارقاً بالفساد والرياء والكذب آنذاك, بل بنقد المجتمع الأرستقراطي الراقي, هو ما دفعه لكتابة «آنا كارنينا». الرواية التي تتحدَّث عن امرأة متزوجة من الطبقة الارستقراطية لكنها تبحث عن الحبِّ خارجَ مجتمعها, والتي قرَّر «تولستوي» تصويرها على أنها جديرة بالعطف وليست آثمة.‏

ما أن بدأ «تولستوي» بكتابة الرواية, حتى هجرها لأنه لم يجد نهاية مثيرة تليق بها, ليعود ويكملها بعد أن شاهد حادثاً مفجعاً عند جيرانه في الريف, حيث قامت عشيقة ملاَّكٍ خيَّب الحب آمالها بإلقاء نفسها تحت عجلات القطار, ما دفع «تولستوي» لتأمُّل الجثمان بطريقةٍ انطبعت في ذاكرته بعمق..‏

أما عمَّا ربط مابين «تولستوي» و«آنا كارنينا» فهو المجتمع الفاسد الذي أرادها أن تغادره مثلما غادره هو إلى مجتمع الفقراء والفلاحين, وبعد أن صبَّ لعنته عليه من خلال روايته التي ختمها بانتحار بطلته, وهي النهاية التي كاد يضعها حداً لحياته بعد أن انتهى من كتابة الرواية بخمسِ سنوات, وبما قال عنه:‏

«منذ سنواتٍ بدأت أشعر بأعراضٍ غريبة. كانت تصيبني لحظاتٍ من الحيرة ومن توقف الحياة, فلا أدري ما أنا فاعل ولا لِمَ أنا موجود.. كنت أسعى بكلِّ قواي للابتعاد عن الحياة.. أنا الذي كان يُعدُّ أحد سعداء العالم, فاجأت نفسي وأنا أبعد عن نظري حبلاً كان يمكن أن أشنق نفسي به, وكففتُ عن الذهاب إلى الصيد لأنَّ بندقيتي تيسِّرُ لي سبيل الخلاص من الحياة»..‏

«فرتر» أحرقني وأضاء نفسي‏

يوهان غوته - شاعر وأديب ألماني:‏

رغم أنه كان شاعراً ومسرحياً وعالماً, إلا أن روايته «آلام فرتر» أحرزت نجاحاً مثلما أُضيف إلى رصيده الإبداعي أضيف إلى سيرته الذاتية..‏

إنها قصَّته. القصة التي عاشها بكثيرٍ من الحب والألم, وهما ما عاناه بعد أن وقع في غرامٍ, كان من أوحى له كتابة روايته التي تحكي قصة شابٍ أحبَّ صبية مخطوبة تدعى «شارلوت», وقد استمرَّت هذه الصبية بالانجذاب إلى كلمات عشقه ولحظات ولهه المفعمة بالألم والحسرة حتى بعد زواجها..‏

لقد كتب «غوته» هذه الرواية دون أن يغير أسماء أبطالها مع اختلاف الأحداث, حيث جعل البطل «فرتر» ينتحر حزناً ويأساً, ودون أن يفعل هو ذلك, ليكون ما قاله بعد أن شُفي من حمى حبِّه التي انتهى في اللحظة التي اختمرت بذهنه فكرة كتابة رائعته «آلام فرتر»:‏

«لقد تألمتُ كثيراً ولكنَّ الألم كان كالشمعة التي أضاءت نفسي وأثارت موهبتي, وها أنا أعود سليماً معافى كما كنتْ»..‏

عشتُ و«جان فالجان» الجحيم ذاته‏

فيكتور هوغو - أديب فرنسي:‏

أكثر ما عُرف عن هذا الأديب, دفاعه عن العدالة الاجتماعية, ومن خلال روايات تحكي عن معاناة الفقراء والعمال والكادحين الذين أبدع بوصفهم جميعاً في «البؤساء». الرواية التي ما أن انتهى من كتابتها حتى قال:‏

«لقد أنهيتُ البؤساء وتنفستُ الصعداء.. دانتي وصف جحيم الآخرة وأنا وصفت جحيم الأرض»..‏

لكن, يا ترى ما سرّ العلاقة التي ربطت بين «هوغو» وبين بطل الرواية «جان فالجان». الرجل البائس الذي ورغم أنه سرق وسُجن وطُرد ونُبذَ إلا أنه بقي في ذاكرتنا رمزاً للخير والحب والأخلاق والدين والعدالة والإنسانية..‏

بالعودة إلى ما عاناه «هوغو» في حياته, لابدَّ أن ندرك سرَّ هذه العلاقة, ذلك أن شخصية «فالجان» هي نسخة عن شخصية «هوغو» وبتمرده ومعاناته ونفيه وإنسانيته..‏

كيف لا؟!. وهو الذي كتب روايته بعد ما استشعره من نقمة على القوانين البشرية والظلم والجوع والاضطهاد الذي يقع على البائسين والفقراء في فرنسا, وبما بدأ روايته قائلاً عنه:‏

تخلق العادات والقوانين في فرنسا, ظرفاً اجتماعياً هو نوعٌ من الجحيم البشري, فطالما وجد التشرُّد والظلم على الأرض, فكتبٌ كهذا الكتاب ستكون حتماً ضرورية»..‏

أيضاً..‏

ما سرُّ التشابه في جرأة المغامرة التي ربطت بين الأديب اليوناني «نيكوس كازنتزاكي» وبين بطل روايته «زوربا»؟.. ما سرُّ المعاناة التي جمعت بين الأديب الانكليزي «تشارلز ديكنز» وبين «أوليفر تويست» و«دافيد كوبر فيلد», بطلا روايتين كتبهما وامتلأتا بأحداث اليتم والفقر والتشرّد والظلم؟..‏

أخيراً..‏

نكتفي بهذا القدر من الأمثلة ولأدباءٍ لم يكتفوا بجعل شخصيات أعمالهم تترك أبلغ الأثر لدى قارئها فقط, وإنما أيضاً لديهم لطالما ألبسوها حياتهم ومعاناتهم والكثير من صفاتهم, وبما أكدته شهرتها التي واكبت أو ربما سبقت شهرتهم..‏

 

 

المصدر: جريدة الثورة

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث