ثورة أون لاين:

تشير الهيئة إلى أنها وعلى هامش الدراسات الخلفية للبرنامج الوطني التنموي لسورية بعد الحرب، قامت بإعداد هذه الدراسة التحليلية عن الاستثمار الخاص في سورية، والتي تعرض من خلالها حجم وطبيعة هذا الاستثمار حسب الأنشطة الرئيسية للاقتصاد الوطني، وإبراز محدداته، والعوامل التي أثرت فيه، وبيان نقاط الضعف التي يعاني منها، وذلك على عدة مراحل.‏

في الأعداد السابقة تحدثنا عن أربع مراحل، الأولى امتدّت بين العامين /1990 - 1995/ والثانية بين /1996 - 2000/ والثالثة بين /2001 - 2005/ والرابعة بين /2006 - 2010/ لنصل إلى هذه المرحلة الأخيرة الممتدّة من العام /2011 إلى العام 2016/ ولا شكّ بأنها مرحلة عصيبة، تؤرّخ لمآسي الاستثمار المترافقة مع المآسي التي تعصف بسورية، جراء هذه الأحداث الرهيبة، والحرب الكونية الظالمة، والعقوبات الاقتصادية الجائرة، التي تُشنّ عليها، من قوى الشرّ والبغي والظلم من شتى أنحاء العالم، فكيف بدا واقع الاستثمار الخاص من منظار هيئة التخطيط والتعاون الدولي..؟‏

المرحلة من 2011 إلى 2016‏

تقول الدراسة بأنّ الاستثمار بشقيه العام والخاص، تراجع تراجعاً حادّاً نتيجة تداعيات الحرب على سورية، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وتوقف معظم المنشآت عن العمل في المناطق غير الآمنة، وتراجع الإيرادات، ومتطلبات الأمن والأمان، وهو ما حدا بالدولة إلى زيادة الإنفاق العام الجاري، لتأمين المستحقات اللازمة، وتوفير متطلبات الأمن والأمان، ما أدى إلى تراجع حصة الإنفاق الاستثماري العام، وتراجع في تنفيذ المشاريع المراد تنفيذها.‏

ونتيجة لتداعيات الأزمة، فقد توقفت الكثير من المنشآت الاقتصادية عن العمل، وكذلك الاستثمار في المدن الصناعية لبعض السنوات، نتيجة ظروف الحرب.‏

وقد تطلبت بعض المناطق المؤمنة تكاليف باهظة، لإعادة تأهيلها، وتفعيل العملية الإنتاجية، وهذا ما دعا الحكومة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات، وإصدار الكثير من التشريعات، لإعادة تفعيل العملية الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار المحلي في المناطق المؤمنة، وزيادة دوره في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.‏

وكان التركيز كبيراً على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودعم التمويل اللازم لها، عن طريق إصدار العديد من التشريعات والقرارات المشجعة لها، ومن أهم التشريعات والقرارات الصادرة خلال هذه المرحلة:‏

- قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 2777 تاريخ 23-2-2011، المتضمن نظام إحداث وتنفيذ واستثمار المناطق الصناعية والحرفية، التي تشكل البيئة الحاضنة لاستيعاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمشاريع الحرفية بجميع أنواعها إضافة لما تخصص به هذه المشاريع من مقاسم في المدن الصناعية.‏

- قانون الشركات رقم 29 لعام 2011.‏

- المرسوم التشريعي رقم 24 لعام 2011 المتضمن تعديل بعض أحكام قانون رسم الطابع وإعفاء بعض معاملات البنوك الإسلامية من الرسوم.‏

- المرسوم التشريعي رقم 23 لعام 2011 المتضمن تعديل بعض أحكام قانون الإنفاق الاستهلاكي وقانون الضريبة على الدخل.‏

- القانون رقم 25 لعام 2011 لحساب الضمان العقاري وتعليماته التنفيذية التي تهدف إلى ضمان حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة من مكتتبين ومطورين عقاريين عبر فتح حساب ضمان، لكل مشروع يخصص لأغراض إنشاء المشروع العقاري المكتتب عليه.‏

- القانون رقم 12 لعام 2016 الخاص بإحداث مؤسسة ضمان مخاطر القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.‏

- قرار مجلس النقد والتسليف 1241 /م. ن/ ب 4 تاريخ 4/2/2015 والذي سمح للمصارف العامة بإعادة استئناف منح القروض التشغيلية للقطاع الخاص والتعاوني المشترك من مواردها الذاتية.‏

- القرار رقم 1400 تاريخ 22/12/2015 المتضمن السماح للشركات والمؤسسات المرخصة على قانون الاستثمار لنقل الركاب والمجموعات السياحية بالعمل في النقل المنتظم ونقل المجموعات السياحية وفق نسب معينة.‏

- المرسوم التشريعي 37 لعام 2015 المتضمن إضافة 0.003 % ثلاثة بالألف من قيمة جميع المستوردات، تخصص لإعادة تأهيل وحماية المدن والمناطق الصناعية، وتعتبر هذه المساهمة من الإيرادات المركزية وتحول إلى حساب وزارة الإدارة المحلية وتوزع بقرار من الوزير.‏

- القانون رقم 13 لعام 2015 المتضمن إعفاء المكلفين بأقساط قيمة المقاسم في المدن والمناطق الصناعية، العائدة لأي من سنوات 2014 وما قبل، من الفوائد والجزاءات وغرامات التأخير، المترتبة على عدم تسديد هذه الأقساط، إذا سددوا القسط لأي من السنوات المذكورة حتى 31 / 12 / 2015.‏

- القانون 6 لعام 2015 المتضمن إعفاء الصناعيين والحرفين المخصصين في المدن الصناعية المنتهية مدة تراخيصهم، والراغبين بتجديد رخص البناء، والذين لم يتمكنوا من استكمال بناء منشآتهم أو إنجازها على المقاسم المخصصة لهم، بسبب الظروف الراهنة من رسوم تجديد رخص البناء.‏

- القانون رقم 33 لعام 2012 المتضمن إحداث المحاكم التجارية (بداية - استئناف) وذلك في مختلف المحافظات ليبلغ عدد محاكم البداية 70 محكمة بداية و 15 محكمة استئناف.‏

قرارات رئاسة مجلس الوزراء‏

- رقم 3388 لعام 2011 المتضمن نظام منح رخص وتصاريح مزاولة أنشطة الكهرباء.‏

- رقم 3722 لعام 2012 المتضمن إبرام اتفاقيات شراء وبيع الكهرباء.‏

- رقم 16202 لعام 2011 المتضمن الأسعار التشجيعية للطاقة المنتجة من الطاقات المتجددة.‏

- رقم 3994 لعام 2012 المتضمن نظام الغرامات المالية لقانون الكهرباء.‏

وكانت أهم قرارات وزارة الكهرباء القرار رقم 1091 لعام 2012، المتضمن الدليل الإجرائي لمنح الرخص والتصاريح، والقرار رقم 1356 لعام 2014، المتضمن شروط ومعايير الأهلية القانونية والمالية، والكفاءة الفنية الواجبة، على المستثمر في قطاع الكهرباء.‏

أما باقي القرارات فكانت قرارات تتعلق بالمناطق الحرة، وقرارات تسمح للقطاع الخاص بالاستثمار في مجال الكهرباء.‏

كما صدر أيضاً قانون التشاركية رقم 5 لعام 2016 لتشجيع الاستثمار في البنية التحتية، والمشاريع الأساسية الخدمية والحيوية الهامة للاقتصاد الوطني.‏

غير أن هيئة التخطيط والتعاون الدولي رأت في دراستها، أنّ جميع هذه القوانين لم تكن كافية لجذب الاستثمار، وتفعيل العملية الإنتاجية، لذا يمكن القول: إن أغلب التشريعات والقرارات خلال هذه المرحلة كانت إجراءات لمعالجة الظروف والمستجدات الطارئة، التي تمر بها البلاد، ريثما يتم الانتهاء من صدور القانون الموحد للاستثمار، وتفعيل قانون التشاركية، إلا أن المسؤولية تبقى أكبر لتأمين الظروف والعوامل الأخرى، التي تؤدي إلى استثمارات مباشرة، ومن أهمها الظروف الأمنية وعوامل الاستقرار الاقتصادي، وتحسين البنية التحتية والخدمات، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع، والأهم منها جميعا تطبيق الإصلاح المؤسسي.‏

خلاصة الدراسة‏

إنّ جميع الأسباب والمعوقات السابقة - وتقصد الهيئة في جميع المراحل من 1990 إلى 2016 - تحتم علينا إعادة النظر بسياسات الاستثمار المتبعة، والانتقال إلى توفير بيئة استثمارية ملائمة، تتوافق مع جميع الخطط والسياسات التنموية، حيث إن العبرة في الوصول إلى سياسة استثمار مثلى، ليس فقط زيادة حجم التدفقات الاستثمارية المباشرة، بل هي تكمن في توجيه هذه الاستثمارات نحو القطاعات التنموية والإنتاجية، على نحو يساهم باستدامة مصادر النمو، ورفع كفاءتها، والتكامل مع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للوصول إلى تنمية متوازنة مستدامة تحافظ على الموارد الطبيعية وتساهم في استدامتها.‏

أخيراً‏

لم يسبق أن اطّلعنا سابقاً على دراسةٍ عن واقع وظروف ومسارات الاستثمار في سورية بمثل هذا الشمول والعمق، الذي قدّمته هيئة التخطيط والتعاون الدولي من خلال هذه الدراسة المميّزة فعلاً، والتي أخذت بالتأكيد الكثير من الجهد والوقت حتى أُنجزت بهذا الشكل، ولاسيما في ظل ضعف الإحصاءات والبيانات الاستثمارية، وعشوائيتها، فهيئة الاستثمار الآن، وقبلها مكتب الاستثمار، الذي انطلق مع صدور قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 كأنّ اهتمامهما كان منحصراً بتلقّي طلبات المستثمرين لإقامة مشاريعهم، والعمل على تشميلها، ومن ثم نسيانها، أو لنقل عدم متابعتها، وبعد هذا التشميل كان المستثمر يبدأ رحلة شاقة لإنجاز التراخيص، التي يجب أن تصدر عن عدّة أطراف، ولا يزال الوضع كذلك، إلاّ في المدن الصناعية الكبرى، حيث يمكن للمستثمر أن يلجأ إلى النافذة الواحدة، وينجز من هناك مختلف التراخيص، ولكن من أنجز مشروعه..؟ ومن لم يُنجز..؟ فهذا لايزالُ سؤالاً صعباً على هيئة الاستثمار..!‏

في الواقع كان من الأفضل لكل مشروع مُشمّل، أن تُفتح له إضبارة مستقلة في هيئة الاستثمار، ويبقى بحالة ارتباطٍ دائم معها، ويخبرها بكل شاردة وواردة عن مراحل بنائه وإقلاعه بالإنتاج وطرق التسويق المتبعة ومدى سهولتها، أو صعوباتها ليكون لدى هيئة الاستثمار بنكاً حقيقياً من المعلومات والبيانات حول الواقع الذي يتدرّج فيه المسار الاستثماري صعوداً أو هبوطاً، وهذا ما لم يكن متوفّراً - على الأرجح - أمام الفريق الدّارس في هيئة التخطيط، الذي سيكون قد بذل جهوداً مضنية، في تجميع تلك المعلومات القيّمة، والتي من المفترض أن تكون متوفرة ومتاحة بين أضابير هيئة الاستثمار.‏

على كل حال، هذه الصورة القاتمة للواقع الاستثماري في المرحلة الأخيرة التي استعرضتها الدراسة، كانت صحيحة ودقيقة بالتأكيد، ولكن كان لا بدّ لنا من الإشارة إلى أن هذه القتامة بالصورة، قد بدأت بالتغيّر فعلياً خلال العامين /2017 - 2018/ حيث يمكننا القول إنّ ذلك التراجع قد توقّف، وبدأت العجلة الاستثمارية تدور، وربما بشكلٍ متسارع، ولا سيما بعد الانتصارات الكبرى التي حققها الجيش العربي السوري في ميادين كثيرة، وبشكلٍ خاص في دمشق وريفها وحلب ودير الزور، فبالإضافة إلى إعادة الكثير من المشاريع الاستثمارية السابقة للإقلاع، واستئناف العمل من جديد، ولا سيما في مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب، فإن العديد من المشاريع الاستثمارية الجديدة قد بدأت تظهر أيضاً في دمشق وحلب وحمص ودير الزور، ومن هنا تأتي أهمية القانون الموحّد للاستثمار المُنتظر الذي من المفترض أن يتلافى مختلف الثغرات التي كشفتها وتناولتها بالتحليل دراسة الهيئة ويُعطي دفعاً قوياً لاستثمارٍ مختلف، وفي ظل عملية إعادة الإعمار، التي تنضوي على نفقاتٍ باهظة ولكنها تترافق أيضاً مع استثماراتٍ ربما تكون عملاقة.‏ 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث