ثورة أون لاين:

يبدو أن مصير مربي النحل في حمص, كمصير مزارعي التفاح أو الزيتون أو العنب أو أي منتج زراعي هام , متروك للظروف وشطارة المُنتِج , وحركة السوق , مع الأخذ بعين الاعتبار نقاط الاختلاف والالتقاء بين الطرفين , فالمزارع يبذل جهودا ويترك الباقي على الظروف المناخية وما يتفتق في أذهان التجار, ومربو النحل كذلك يبذلون جهودا مماثلة،
لكنه يتعامل مع أرواح لها عالمها الخاص..‏

وسنحاول من خلال هذا التحقيق الصحفي أن نلقي الضوء على معاناة مربي النحل في حمص, ودور الجهات صاحبة العلاقة, وسنحاول كشف بعض الحقائق حتى ولو كانت مزعجة للبعض , مطبقين بذلك المثل القائل: (الحقيقة كالنحلة في جوفها العسل وفي ذيلها الإبر) .‏

معاناة قديمة حديثة‏

تحدث عيسى بيطار من قرية القلاطية في ريف حمص الغربي عن معاناة مربي النحل في المحافظة , ووصفها بأنها معاناة قديمة حديثة , لأنها ليست وليدة اللحظة, وإنما هناك قسم منها موجود قبل بداية الحرب على سورية, ومازالت مستمرة حتى الآن مع تفاقم بعضها , وبروز صعوبات أخرى لم تكن في الحسبان لكن فرضها الواقع , ومن أبرزها صعوبة ترحيل النحل إلى المحافظات الأخرى (ريف الرقة لوجود نبتة العاقول - اللاذقية لغناها بالحمضيات والأشجار الحراجية - السقيلبية بريف حماه لوجود حبة البركة) حيث توجد المراعي الجيدة , وذلك بسبب الوضع الفني السيئ للطرقات من ناحية, وعدم وجود بطاقة مع المربي تسهل عليه عملية التنقل.. وأضاف بيطار بأن الأدوية الخاصة بالنحل لمعالجة الأمراض التي تصيبه (قراد النحل - الحضنة الأمريكي - دودة الشمع - الأكارين - نيوزيما ..إلخ) غير متوفرة في الصيدليات الزراعية , وفي حال توفرها فهي غير فاعلة ولا يمكن الوثوق بها , ولا يوجد مكتب أو نقابة خاصة بالنحالين في حمص أسوة بدمشق أو اللاذقية لتمنح بطاقات خاصة بمربي النحل , كما أن تسويق العسل يتم بطرق خاصة, ولم تطرأ تلك الزيادة الكبيرة على سعر كيلو العسل مقارنة مع ا‏

 

الارتفاع الجنوني لأسعار كافة السلع والمنتجات الاستهلاكية , ويؤثر طرح العسل المغشوش وبأسعار زهيدة في السوق على العسل ذي النوعية الممتازة وغير المغشوش,كذلك هناك قضية أخرى يعاني منها المربون و على قدر من الأهمية وهي عدم التعويض على المربين في حال تعرض النحل لكارثة طبيعية كالصقيع الذي يؤدي إلى نفوق قطيع النحل , وقد حدث هذا الأمر لكن لم يتم التعويض على المربين كما يتم التعويض على مزارعي التفاح مثلا , وفي نهاية حديثه لخص بيطار وضع المربين قائلا: لا يوجد اهتمام بمربي النحل في حمص ..!!‏

أما المربي فادي قاسم من قرية القانقية في ريف حمص الشمالي الغربي فقال: لأننا خسرنا المراعي التي كنا نرحل النحل إليها , وأصبحنا نكتفي بالمراعي الموجودة في حمص , وبسبب غياب التنسيق مع الجهات المعنية سواء مزارعين أو مديرية الزراعة فقد لحق الضرر بقطيع النحل الذي يرعى في أراض مرشوشة بالمبيدات الزراعية , وهنا يجب التنسيق لكي لا يتم رش المبيدات في الأماكن الصالحة كمراع للنحل , وهذه القضية على غاية من الأهمية. وأضاف قاسم بأنه وعندما حدثت موجة الأمطار والصقيع في فصل الربيع الماضي نفق عدد من القطيع عندي وعند أغلب المربين في المحافظة , وقد زارتني لجنة من مديرية الزراعة للتعويض عليَّ , لكن حتى الآن لم يصل هذا التعويض..!! هذا عدا الصعوبات المعروفة من قبل الجميع وهي صعوبة ترحيل النحل وعدم توفر الأدوية الزراعية , وصعوبة تسويق المنتج وغيرها من الصعوبات الأخرى ما انعكس سلبا على وضعنا الاقتصادي و حيث كنا نعتمد على إنتاج النحل من العسل والشمع كمصدر رزق جيد .‏

نوار كنعان من قرية تنورين بوادي النضارة قال: هناك الكثير من الصعوبات التي نعاني منها في مجال تربية النحل, وأهمها في الظروف الحالية تقلص مساحة المراعي والأراضي الزراعية, وعدم اهتمام الجهات المعنية بهذا الموضوع ما انعكس سلبا على واقع تربية النحل في محافظة حمص .‏

مهمة شعبة النحل: تقديم الإرشادات وتنفيذ خطة الوزارة..!!‏

وفي مديرية زراعة حمص التقينا برئيس شعبة النحل والحرير المهندس أحمد محرز و سألناه عن مهمة الشعبة وعملها فقال: نقوم في الشعبة بتنفيذ خطة الوزارة , وهي إنتاج طرود النحل أي خمسة إطارات مع مستلزماتها كاملة , ثلاثة طرود منها بأعمار مختلفة مع إطار عسل وإطار عسل مبني أو ممطوط , مع ملكة ملقحة لا يزيد عمرها عن السنة , ونقوم في نهاية موسم التطريد ببيعها لمربي النحل في المحافظة وبسعر التكلفة , حيث يبلغ سعر الطرد الواحد 12500 ليرة سورية , والنحل الموجود هو نحل سوري هجين , كما أننا نقوم بتقديم الإرشادات المتعلقة بتربية النحل للمربين عن طريق الوحدات الإرشادية , وإقامة دورات تدريبية في دائرة التأهيل والتدريب , وإقامة ندوات في القرى بالاشتراك مع غرفة الزراعة والإرشاديات الموجودة في ريف المحافظة , وفي حال وجود أي شكوى نقوم بالكشف الميداني لمعالجة المشكلة , أي أننا نقوم بالإشراف المباشر لحل أي إشكال يقع فيه مربو النحل , وقد حصلت شعبة تربية النحل على مكافأة تشجيعية العام الماضي لتميزها بتطبيق الخطة الإنتاجية المقررة من الطرود وإنتاج العسل , والتي بلغت 139% لإنتاج الطرود و320% لإنتاج العسل لموسم 2017 .‏

أما عدد خلايا النحل في محافظة حمص فيبلغ (26328) خلية حديثة , والعدد الموجود على أرض الواقع يفوق العدد الموجود , لأن الكثير من مربي النحل لم يسجلوا مناحلهم وعدد الخلايا التي يملكونها في الوحدات الإرشادية , ويوجد (373 ) خلية بلدية , وتم توزيع 1335 طردا على المربين في المحافظة عن طريق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي Undp , حيث بلغ عدد المستفيدين من المنح 445 مستفيدا , و201 خلية من الجمعيات الخيرية في المحافظة .‏

تناقص نسبة خلايا النحل‏

بنسبة 50 %‏

وعن تأثير الأزمة المفتعلة على مربي النحل أضاف محرز أنها أثرت على قطاع تربية النحل , فقلَّ عدد الخلايا بنسبة 50% , وذلك بسبب سرقة المناحل في مركز الدوير وصعوبة الوصول إليها , وبروز صعوبات لدى المربين لم تكن موجودة من قبل , كصعوبة ترحيل ونقل النحل إلى المراعي الخاصة , وعدم توفر الأدوية الخاصة بأمراض النحل ,وبلغ عدد الأسر المتضررة العاملة في قطاع تربية النحل 579 أسرة , ورأى محرز أنه سيتم تأهيل مركز الدوير لتربية وتطوير النحل السوري الذي تعرض للسرقة والتخريب , حيث كان يتواجد في المركز 180 خلية ومنشرة لصنع الخلايا الحديثة وبيعها للمربين , وكان إنتاج المركز من الخلايا الخشبية يفوق الـ1000 خلية سنويا , فيغطي حاجة المحافظة ويوزع على مديريات الزراعة في المحافظات الأخرى , وخلال الثلاثة أشهر القادمة سيكون بالإمكان العودة إلى المركز بعد تأهيله مع المنشرة ومخبر أمراض النحل , بالإضافة إلى رفد الشعبة بمهندسين وفنيين مدربين وحراس. أما بخصوص الإنتاج وتسويقه فقال محرز: إنه ليس هناك إحصائية دقيقة لكمية العسل المُنتجة , لكنها تقترب من 300 طن في حال كانت الظروف الجوية مناسبة والمراعي متوفرة , ولا علاقة للشعبة بتسويق العسل , لكنها قد تقوم بشراء العسل من المربين بعد خضوعه للتحليل المخبري , ووضع لصاقة عليه تؤكد جودته وسلامته , ليتم طرحه في السوق للمستهلكين .‏

غرفة الزراعة تقدم نصائح وإرشادات أيضا..!!‏

وفي غرفة الزراعة عرفنا بوجود لجنة مؤلفة من تسعة أشخاص , بعضهم يعمل في تربية النحل بالإضافة إلى مهندسين على ملاك الغرفة ,لكن هذه اللجنة ليس لديها أدنى المعلومات عن واقع المربين وعددهم , وعدد الخلايا وإلى ما هنالك من قضايا متعلقة بتربية النحل , وعند سؤالنا للدكتور سمير شمشم رئيس اللجنة عن مهمة اللجنة ومدى دعمها لمربي النحل في حمص قال: إن إمكانات اللجنة المادية ضعيفة , ولا يمكننا القيام بأي شيء سوى تقديم النصائح والإرشادات للمربين , وذلك من خلال القيام بالندوات والمؤتمرات على مستوى المحافظة , وأضاف ردا على تساؤلنا عن جدوى ذلك بالنسبة لمن يعمل في تربية النحل منذ سنوات بأن الخبرة لا تكفي فهناك دائما مستجدات وأمور طارئة في مجال تربية النحل , لذلك فإن اللقاءات بين المختصين والمربين تنعكس إيجابا على واقع التربية أما بالنسبة للتعويض عن الأضرار في حال وجود كوارث طبيعية فهذا ليس من مهمة اللجنة .‏

وأكد ماسبق المهندس عبد المتين عبد المنعم المشرف على اللجنة , وأشار إلى عدم توقف اللجنة خلال سنوات الحرب على سورية عن تقديم النصح والإرشاد للمربين , بالإضافة إلى القيام بتوزيع المعونات التي قدمتها منظمة الغذاء العالمي ( wfp ) , وهي عبارة عن طرود نحل وخلايا خشبية على المربين أو الراغبين بتربية النحل في المحافظة .‏

نقابة المهندسين الزراعيين: أن تصل متأخرا ...‏

وفي نقابة المهندسين الزراعيين أفاد رئيس فرع النقابة المهندس معين الصالح أن النقابة بصدد تشكيل فرع الجمعية السورية للنحالين بحمص , وقد تم تشكيلها بانتظار طباعة الوثائق والسجلات ولوازم العمل في القريب العاجل , ومهمة الجمعية تقسم إلى قسمين: مهمة علمية تتجلى بتحسين وضع السلالات , والعمل على إيجاد المراعي الخاصة بالنحل , ومهمة إرشادية تضمن تقديم الإرشادات للمربين لاتخاذ الإجراءات الصحيحة في تربية النحل وكل ما يتعلق به حتى مرحلة الإنتاج . وتطبق نقابة المهندسين الزراعيين بذلك مقولة: أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا لأن تربية النحل في حمص ليست وليدة اللحظة , وكان الأجدى بالنقابة والجهات الأخرى المعنية أن تهتم بهذا الموضوع أكثر من ذلك .‏

توصيات جيدة ..لكنها حبر على ورق ...!!‏

بادرت اللجنة الاقتصادية التابعة لمجلس محافظة حمص بعقد اجتماع موسع في نهاية الشهر الأول من العام الحالي وكان محور الاجتماع : (السبل الكفيلة بتطوير قطاع النحل) , وذلك بناء على كتاب مجلس محافظة حمص رقم 614 بتاريخ 17- 12 -2017 , وحضره بالإضافة إلى أعضاء اللجنة كل المعنيين من قطاع الزراعة بموضوع تربية النحل , وعرضت اللجنة ميزات النحل السوري وضرورة الاهتمام بتربيته لأنه من أفضل السلالات في العالم في إنتاج الغذاء نوعية الملكي , وهو قادر على اجتياز فصل الشتاء بأقل كمية من الغذاء السكري , كما أنه مدافع جيد عن مسكنه ضد الأعداء الحيوية كالدبور الأحمر , ومتفوق على السلالات الأجنبية في قدرته على مقاومة فقر المرعى في الظروف المحلية .‏

وخلصت اللجنة إلى عدة توصيات في نهاية الاجتماع من أهمها : إعادة دراسة الخارطة الحراجية وضرورة اعتماد أنواع من الأشجار الحراجية (أكاسيا - خرنوب - زيزفون حبقي - كينا) في المواقع التي تعرضت للحرائق أو التعدي , واقتراح مواقع تحريج جديدة ضمن خطة وزارة الزراعة ما يسهم في رفع نسبة الحراج المفيدة في تربية وتطوير النحل السوري خاصة وأن الخارطة الحالية لا تتعدى 3% من نسبة الحراج الموجودة حاليا في المحافظة , وتأصيل سلالة النحل السوري , ووقف استيراد النحل الأجنبي وترشيد استيراد الملكات الأجنبية إلى أن يتم تأصيل النحل السوري , وتحويل دعم المنظمات الدولية الحالي المتمثل بإدخال سلالات جديدة إلى دعم آخر يتمثل بتقديم وسائل ومعدات تربية النحل السوري كاللباس الخاص بالمربين والأدوية الفعالة وغذاء كاندي ومضادات حيوية ومنشطات للنحل ووسائل كفيلة بمكافحة أعداء النحل الحيويين , وتكليف مركز البحوث الزراعية بإيجاد طرق لمكافحة الدبور الأحمر لما تسببه في العام الماضي من أضرار هائلة بأعداد الخلايا وإنتاجيتها , وإحداث مركز لدعم النحل السوري في محافظة حمص أسوة بمحافظة اللاذقية وإدخال مخابر لإنتاج الملكات المخصبة أو الملقحة لزيادة أعداد النحل السوري الأصيل , وأخيرا إطلاق المؤتمر الأول للنحل السوري تحت عنوان ( السبل الكفيلة بدعم وتطوير وتأصيل سلالة النحل السوري ) .‏

ونلاحظ من خلال توصيات اللجنة الاقتصادية أنها تصب في مصلحة المربين وتطوير قطاع تربية النحل لما له من أهمية في تحسين مستوى الاقتصاد الوطني في حال تطويره , لكن وبعد مضي أكثر من ثمانية أشهر على الاجتماع يحق لنا أن نسأل: ما مصير كل تلك التوصيات؟ أم أنها ستبقى حبرا على ورق يغطيه الغبار بانتظار أيد جادة تمسح غباره وتحوله إلى فعل على أرض الواقع ...!!‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث