ثورة أون لاين:

عندما باشرت محافظة طرطوس عام 2005 بإجراءات إقامة مركز متكامل في وادي الهدة لمعالجة النفايات الصلبة الناتجة عن الوحدات الإدارية في كل أنحاء المحافظة أكد القائمون عليها أنه سيتم من خلال هذا المركز معالجة النفايات الصلبة (القمامة) بشكل لايترك أي آثار سلبية على البيئة المحيطة من مياه وتربة وهواء..

حيث ستتم المعالجة بأحدث الطرق المتبعة عالمياً بغية تحسين المستوى البيئي واستعادة المواد القابلة للتدوير ومعالجة النفايات العضوية والتي تزيد نسبتها على ستين بالمئة من النفايات وتحويلها الى سماد طبيعي عالي الجودة.. وأكدوا في تصريحات صحفية متعددة لهم وفي لقاءات مع المواطنين بعد انتهاء دراساته ووضع حجر الأساس له عام 2007 أن هذا المركز سيؤدي لحماية المحافظة من التأثيرات السلبية الناتجة عن المطامر العشوائية المنتشرة في عشرات المواقع من خلال إغلاقها وإقامة نحو عشر محطات تجميع بدلاً عنها..الخ..‏

اليوم وبعد ثلاث سنوات على تدشين المركز ووضعه بالخدمة لم ينطبق (حساب الحقل على حساب البيدر) حيث وصلتنا شكاوى من المواطنين الساكنين في القرى المحيطة به من كافة الاتجاهات تفيد بانتشار الروائح الكريهة التي لا يمكن تحملها في معظم الأيام خاصة عندما يتشكل ضباب كثيف محمّل بالمواد السامة الناتجة عن تخمّر المواد العضوية (المرفوضات) المرمية في الهواء الطلق، إضافة لما يسببه نقل القمامة بالشاحنات ورميها في الموقع وإدخالها لمعمل الفرز ومن ثم نقل المرفوضات منها إلى مكان تجميعها ضمن المركز...‏

جولة ميدانية‏

وبناء على تلك الشكاوى وشكاوى أخرى تلقيناها من العاملين بالمركز حول الضعف الكبير في أجورهم وتعويضاتهم قمنا منذ عدة أيام وبرفقتنا المهندس وسام عيسى مدير إدارة النفايات الصلبة بالمحافظة بزيارة إلى قرية يحمور المجاورة للمركز والتقينا مع رئيس مجلس البلدية وبعض المواطنين الشاكين ثم زرنا المركز بكل أقسامه والتقينا القائمين عليه من إداريين وعمال ومن خلال هذه الزيارة خرجنا بنتيجة مفادها أن هذا المركز مهم وضروري من جوانب مختلفة (بيئية واقتصادية واجتماعية..) لكن انتشار الروائح الكريهة منه باتجاه القرى المحيطة وقلة عدد عماله بشكل كبير وضعف أجورهم مقارنة بما يقومون به من أعمال صعبة ضمن ظروف صحية قاسية جداً يجعل هذا المركز دريئة توجّه عليه سهام المواطنين والعمال والصحافة، وتجعل كل إنسان حريصاً على الصحة العامة والبيئة يطالب المسؤولين بالعمل الجاد والفوري لمعالجة أسباب ونتائج الواقع القائم قبل أن تستفحل الأمور أكثر ونشهد المزيد من الأضرار والتداعيات.‏

وحتى لا نبقى في العموميات سوف نضع الجهات المعنية بواقع العمل بهذا المركز وبمتطلبات تحسين هذا الواقع بعد أن شاهدنا بأم العين وبعد التواصل مع عدد من المواطنين الساكنين في القرى المحيطة بالمركز، وبعد اللقاء والحوار مع مدير إدارة النفايات الصلبة..‏

بداية نشير إلى أن مساحة المركز (معمل الفرز + معمل السماد + المطمر السطحي الصحي + ساحات الإنضاج) تبلغ /14/ هكتاراً وأن المعمل يستقبل حالياً من (500 إلى 600) طن يومياً من بلديات المحافظة علماً بأن الطاقة التصميمية للمعمل هي /350/ طناً لوردية عمل /8/ ساعات يومياً.‏

وآلية العمل فيه كما يلي: يتم استقبال القمامة فيتم وزنها على القبان ومن ثم يتم تفريغها في ساحة الاستقبال ليصار إلى رفعها إلى خطوط الفرز بواسطة آليات خاصة ليتم بعدها فرزها بشكل يدوي وميكانيكي إلى مواد عضوية ومفروزات (كرتون، بلاستيك ملون وشفاف، أكياس نايلون، حديد، ألمنيوم، زجاج) ليتم بيعها في الأسواق.‏

المواد العضوية يتم تخميرها على ساحات الإنضاج لمدة /60/ يوماً ليصار بعدها إلى غربلتها وإنتاج السماد.‏

أما المواد التي لا يمكن الاستفادة منها في إعادة التدوير فتسمى المرفوضات ونسبتها /30 - 35/ % وهذه يتم وضعها في المطمر وتتوزع النسب على الشكل التالي (5-10 %) مفروزات، (60%) مواد عضوية، (30-35 %) مرفوضات.‏

ويبلغ كادر المعمل (مراقبين + سائقين + فنيين + عمال) /260/ عاملاً وهو عدد غير كاف وهناك معاناة كبيرة من نقص اليد العاملة (ذكور) والسائقين وخاصة سائقي المعدات الهندسية.‏

وحالياً تم الحصول على موافقة السيد وزير الإدارة المحلية وتم البدء بإجراءات الإعلان لتعيين (125) عاملاً وسائقاً وفنياً لكن المشكلة أن الرواتب ضعيفة جداً حيث لا يتقاضى العامل مع تعويض طبيعة العمل سوى ما يقارب (30000 ل.س) بالإضافة إلى وجبة بيض شهرياً بقيمة /900/ ل.س ولباس سنوي عبارة عن (بدلة عمل عدد /2/، كف عدد /2/، جزمة كاوتشوك، حذاء جلد) وكذلك مشمع مطري كل ثلاث سنوات وطبعاً هذا الراتب لا يتناسب مع طبيعة العمل والمعاناة على الإطلاق ولا بد من زيادة الأجور والتعويضات لأكثر من الضعف.‏

الروائح الكريهة‏

وبخصوص الروائح المنتشرة في الموقع هناك سببان لها:‏

الأول: المرفوضات من القمامة التي يتم طمرها في المطمر بالرغم من أعمال الطمر اليومية بالأتربة.‏

الثاني: عملية تخمير المواد العضوية في ساحات الإنضاج كون المعمل مصمماً لإنتاج السماد بطريقة التخمير الهوائي.‏

ومن الإجراءات التي يتم اتخاذها للمعالجة -كما يقول مدير إدارة النفايات الصلبة- أنه تم تركيب ماكينة تغليف المرفوضات وتتم حالياً أعمال التجريب ليصار إلى تغليف البالات ووضعها في المطمر الصحي السطحي المكتّم والذي تم إنشاؤه وفق المواصفات العالمية.‏

كما يتم التواصل مع الوزارة وبعض المستثمرين بخصوص إمكانية تحويل عملية التخمير الهوائي إلى لاهوائي وإنتاج الغاز والكهرباء والسماد.‏

ويجري التنسيق مع وزارة الصناعة ومعمل إسمنت طرطوس بخصوص إمكانية الاستفادة من المرفوضات وتحويلها إلى (RDF) طاقة بديلة واستخدامها في أفران معمل الإسمنت الأمر الذي سيوفر الفيول لمعمل الإسمنت ويقلل كمية النفايات الذاهبة إلى المطمر.‏

صعوبات الجمع في البلديات‏

ومشكلات النفايات الصلبة في المحافظة لا تقتصر على ما ذكرناه في المركز فهناك صعوبات عديدة تواجه عملية الجمع في الوحدات الإدارية أبرزها (نقص الآليات اللازمة للجمع في معظم الوحدات الإدارية -نقص عدد عمال النظافة أو الفرز- زيادة كميات القمامة خلال فترة الحرب على سورية حيث كانت تقدر كميات القمامة في المحافظة قبل الحرب /450/ طناً يومياً أصبحت الآن تفوق /800/ طن يومياً - نقص بعض الآليات في المركز المتكامل (قلابات، آلة ستافة بالات، تركسات صغيرة).‏

يضاف إليها عدم وضع محطات الترحيل بالخدمة حتى الآن باستثناء محطة صافيتا التي وضعت قيد الخدمة منذ بداية عام 2018 أما باقي المحطات فسوف يتم وضعها في الخدمة خلال عام 2019.‏

ولمعالجة هذه الصعوبات لا بد من تأمين الآليات اللازمة للمعمل والوحدات الإدارية من خلال خطة الوزارة لشراء الآليات كل عام وتعيين عمال في معظم الوحدات الإدارية وخاصة مجلس مدينة طرطوس (عمال نظافة، حدائق، صيانة) وزيادة أجور العمال وتعويضاتهم بما يتناسب مع طبيعة العمل الصعبة ودراسة إمكانية إعطاء العمال نسبة من مبيعات المعمل (سماد، مفروزات) الأمر الذي يحفز العمال للعمل بشكل أفضل.‏

تشاركية‏

وفي الختام نشير إلى أن نضال كرميا ابن قرية يحمور وهو أحد العاملين في مجال النفايات الصلبة منذ زمن طويل أكد لنا أن وضع المركز وعماله لن يتحسن ولن يحقق الغاية التي أحدث من أجلها إلا في حال تم استثماره بالتشاركية مع القطاع الخاص وفق شروط محددة لأن من شأن ذلك تحويل المركز من خاسر حالياً إلى رابح، ومن أجور وتعويضات ضعيفة حالياً للعمال إلى أجور وتعويضات مرتفعة لا تقل عن مئة ألف ليرة لكل عامل، وفي هذا المجال يقول مدير إدارة النفايات الصلبة لقد راجعنا عدة مواطنين في المحافظة ومنهم كرميا وخارج المحافظة وخارج سورية بخصوص ذلك لكن حتى الآن لم يقدم لنا أي مستثمر منهم رؤية واضحة أو مشروعاً خاصاً لتتم دراسته واتخاذ القرار المناسب بشأنه علماً أنه لا يوجد أي مانع قانوني في حال كان ذلك يخدم المصلحة العامة ويحسّن من أداء المعمل.‏

 

تحقيق: هيثم يحيى محمد

 
Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث