ثورة أون لاين:
في معرض الباسل للإبداع والاختراع يشارك في كل عام كوكبة من أطفال سورية المبدعين الرواد الذين ظهرت لديهم بوادر النبوغ والقدرات الكامنة، وتُقدم فيه أفكار جديدة ونوعية في مجالات عدة، يمكن أن تكون نواة لمنتجات أكثر تطوراً فيما لو توفرت لها البيئة المناسبة والتحفيز والدعم من مختلف فعاليات المجتمع..

‏‏

وفي هذا العام حضرت أعمال الأطفال في المعرض إلى جانب أعمال الكبار والمخترعين من مهندسين وباحثين وطلاب جامعات، وفي هذا الشأن يقول جهاد خليفة عضو لجنة الإشراف على مشاركات الأطفال الطليعيين: إن منظمة الطلائع تحرص على المشاركة في معرض الباسل للإبداع والاختراع منذ دوراته الأولى، وفي كل عام هناك ما بين 10 - 15 مشاركة لأطفال من أعمار صغيرة (الصفوف الرابع والخامس والسادس)، إضافة إلى أعمال الرواد والمشرفين، مشيراً إلى وجود مدارس تطبيقية تعنى بمتابعة مواهب الأطفال ورعايتها، إلى جانب مسابقات الرواد التي تبرز إبداعات الأطفال وقدراتهم الشخصية وحالات التميز في مجالات الفيزياء والكهرباء والمعلوماتية وغيرها.‏‏

إبداعات الأطفال‏‏

رئيس مكتب التقانة والإعلام في منظمة الطلائع وضاح سواس قال: إن معرض الإبداع والاختراع يعتبر فرصة مهمة لعرض أعمال الأطفال وإبراز مواهبهم، وبث روح المنافسة لديهم من خلال حضورهم إلى جانب أعمال المخترعين الكبار، وفي كل عام تحضر أعمال مهمة للأطفال والرواد الطليعيين تستحق أن تكون في دائرة الضوء والاهتمام الحقيقي، وبكل الأحوال إن رعاية إبداع الأطفال وتحفيزه واحتضانه هو مهمة يجب أن يضطلع بها الجميع، فهؤلاء الأطفال يمثلون مستقبل البلاد، وكلما استطعنا أن نوجه إبداعاتهم ونصقلها ونطورها كان لدينا اطمئنان إلى أن جيل المستقبل سيكون قادراً على حمل المسؤولية والنهوض بالبلاد علمياً ومعرفياً وفي مختلف المجالات..‏‏

حضور وغياب‏‏

‏‏

وفي استطلاع أجرته «الثورة» مع الأطفال المشاركين في معرض الإبداع لهذا العام تبين أن هناك تحديات وصعوبات واجهتهم، بعضهم استطاع تجاوزها من خلال الإصرار والتصميم على متابعة أعماله، تحثهم في ذلك الرغبة في الوصول إلى عتبة أو منصة تساعدهم في إظهار إبداعهم وتؤكد للآخرين رغبتهم في التعلم وزيادة التحصيل العلمي والمعرفي واكتساب الفرصة التي قد تعينهم في صقل مواهبهم وتحويلها إلى إنجازات حقيقية في مجالات مختلفة، والبعض الآخر من الأطفال لم يتمكن من المشاركة لأسباب عديدة، وقفت حائلاً أمامهم ومنعتهم من الحضور فغابت أعمالهم عن المعرض وخسروا الفرصة في عرضها والتعريف بها..‏‏

 

الفائز الأول‏‏

الطفل نوار الحاج حسين وهو حائز على المرتبة الأولى في مسابقة رواد الطلائع لهذا العام، ونال أيضاً الجائزة الأولى في دورة العام الحالي من معرض الباسل للإبداع والاختراع، يحدثنا قائلاً: مشروعي كان (البيت الذكي) وفيه استطعت أن أصنع دارة إنذار حريق تعمل أوتوماتيكياً بمجرد حصول حريق في المنزل، ودارة توفير استهلاك الطاقة في المنزل بحيث تضاء الإنارة في المنزل مع غياب الشمس وعدم وجود ضوء، وتنطفئ مع طلوع الشمس، والدارة الثالثة لباب موقف سيارة يفتح ويغلق أوتوماتيكياً دون أن يضطر السائق إلى النزول من السيارة لفتح أو إغلاق (الكراج)..‏‏

رغم الصعوبات‏‏

والدة الطفل قالت: إن بوادر الموهبة ظهرت مبكرة لدى نوار حيث بدأنا نلحظ اهتماماته وحبه للتعرف على كل جديد، وكان يكثر من الأسئلة حول أمور أكبر من عمره تتعلق بمجالات الإلكترون والكهرباء وغير ذلك، ورغم الظروف الصعبة التي تزيد من التحديات التي نواجهها حيث أسكن مع ولدي في منزل بالأجرة بعد أن توفي والد نوار قبل أن يرى إبداعات ابنه، فأنا مصرّة على تقديم كل إمكاناتي وجهودي لدعم موهبة ابني وتحفيزه ليحقق كل طموحاته، مع الأمل بأن تهتم الجهات المعنية وتتبنى وترعى هذه المواهب الواعدة وتصقلها.. وخاصة أن هناك تكاليف مادية تفوق قدرتنا يحتاجها الطفل لتنفيذ أفكاره وإبداعاته..‏‏

غاب لأسباب مادية‏‏

وتحدثنا والدة المخترع يامن موسى الفجير، الذي غاب عن فعاليات معرض الباسل لهذا العام، بالقول: إن يامن طالب في الصف الثامن وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة ولديه ضعف في السمع، ومع ذلك فهو من الأطفال الموهوبين ولديه إمكانيات جيدة، ولذلك قمنا بتخصيصه بغرفة في المنزل أعددناها لتكون مخبرا له يعمل فيه ويخترع ويبدع، وهو رائد طليعي على مستوى القطر في مجال الإلكترون، وقد شارك العام الماضي في معرض الإبداع بعمل متميز، وكان قد جهز عملاً جديداً هذا العام ليقدمه في المعرض (طائرة صغيرة بالتحكم عن بعد عبر جهاز تحكم التلفزيون)، إلا أن الظروف المادية للعائلة حالت دون مشاركته فهو يحتاج لمن يرافقه من حلب إلى دمشق والإقامة معه طيلة فترة المعرض وهذا ما منع يامن من المشاركة هذا العام، إلى جانب أنه شعر العام الماضي بعدم الاهتمام به بالشكل المطلوب كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويحتاج لمعاملة مختلفة..‏‏

وفي هذا السياق بينت أن وعوداً كثيرة بالرعاية والاهتمام حصل عليها الطفل يامن من جهات عديدة تربوية وحزبية وصحية، دون أن يكون لذلك أي ترجمة واقعية، وما نطلبه زيادة في الالتفات إلى تنمية مهارات وإمكانات الأطفال المبدعين والنظر بعين المسؤولية إلى مواهبهم واهتماماتهم وتحفيزها وتنميتها بالشكل المطلوب.‏‏

ترشيد استهلاك الكهرباء‏‏

‏‏

محمد بكري محسن مخترع من حلب قدم جهاز لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية في المنازل، وهو أحد الرواد المشاركين بالمعرض، قال كان لدي اهتمامات منذ الصغر بالأدوات الكهربائية المنزلية وكنت أتابع والدي وهو يعمل في مجال الكهرباء وأحاول أن أتعلم منه، وقد جاء عملي هذا بعد أن عانينا هنا في محافظة حلب من غياب الطاقة الكهربائية خلال سنوات الحرب العدوانية على سورية، وفكرت أن أقوم بعمل يخفف من استهلاك الكهرباء ويمكن استخدامه في كل البيوت وعلى مختلف الأجهزة، حيث يحول الكهرباء من 220 إلى 12 فولت يترك الطاقة ثابتة ويحمي الأجهزة من اهتزازات التيار الكهربائي.‏‏

كرسي معوق بأقل التكاليف‏‏

حيدرة عبد الغني سمية من ريف حلب - نبل - قال إنه التقط فكرة عمله (كرسي معوق) من كرسي يستخدمه جاره وهو أحد جرحى الحرب، وقد تكلف مبالغ طائلة لشرائه، فعزم على تصميم كرسي انطلاقاً من نفس الفكرة، لكن بتكاليف أقل، وتوصل إلى التصميم المطلوب، مبيناً في حديثه إن هذا يوفر مئات آلاف الليرات على المحتاجين لهذا الكرسي الذي يصل سعره إلى أكثر من 900 ألف ليرة، في حين يمكن تصميمه وصناعته بأدوات محلية وبتكلفة لا تتجاوز 100 ألف ليرة.‏‏

حيدرة وهو حالياً طالب في الصف السابع يقول إن لديه الكثير من الأعمال التي أنجزها منها غسالة صغيرة ودراجة لتوليد الطاقة الكهربائية وبعض الأدوات الأخرى، وكانت له مشاركات متنوعة في مسابقات رواد الطلائع، ولكن هذه أول مرة يشارك فيها بمعرض الباسل للإبداع والاختراع.‏‏

لم نلمس اهتماماً‏‏

المهندس وسام قطيني والد الطالب كنان من محافظة السويداء قال: واجهتنا معوقات وصعوبات منعت ولدي كنان من المشاركة في المعرض رغم أن عمله جاهز وهو عبارة عن (فقاسة بيض) تعمل بالتحكم بالحرارة، مشيراً في هذا إلى أن توقيت المعرض هذا العام كان غير مناسب حيث تزامن مع افتتاح المدارس، إلى جانب وجود تقصير من قبل فرع الطلائع بالسويداء، والأهم من ذلك الإمكانية المادية التي لم تتوفر، وبين المهندس وسام إن ولده شارك في مسابقات رواد الطلائع عبر عدة أعمال، وحقق تميزاً فيها.‏‏

استثمار الطاقة البديلة‏‏

‏‏

إبراهيم فراس مقدح من ريف دمشق طالب في الصف السابع دفعته ظروف الحرب وتداعياتها وتأثيرها على قطاع الكهرباء إلى التفكير بحلول بديلة تغني السكان عن الكهرباء، التي لم تكن تتوفر بشكل مناسب، وتؤمن لهم الإنارة وتشغيل الأدوات المختلفة، وفي هذا تشير والدته إلى حالة الاهتمام وحب الاستكشاف التي بدأت تظهر لديه في سن مبكرة، ومحاولاته المستمرة لإنجاز أعمال إبداعية ذات قيمة مضافة وقابلة للتطبيق العملي ويمكن الاستفادة منها في خدمة الإنسان.‏‏

والطالب إبراهيم هو رائد طليعي على مستوى القطر في مجال الكهرباء والإلكترون، وشارك في معرض الباسل بعملين لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بحيث يتوفر للإنسان طاقة تشغل كل أدواته في الإنارة والضخ وغيرها، دون الحاجة لاستخدام الكهرباء..‏‏

تقييم غير عادل‏‏

ودعت والدة الطالب إبراهيم إلى إعادة النظر بآلية تقييم أعمال الأطفال المشاركة في المعرض بحيث تكون لها معاييرها الخاصة بعيداً عن معايير أعمال المخترعين الكبار من طلاب الجامعات والمهندسين وغيرهم، معتبرة أن هذا الأمر ترك آثارا سلبية في نفوس المشاركين وأحبط من معنوياتهم، فالطالب في هذا العمر يحتاج إلى دعم معنوي كبير إلى جانب الاهتمام والتحفيز ليستمر في طريقه، ومن غير العدل أن توضع أعمال الأطفال في كفة واحدة مع أعمال الكبار وتخضع للتقييم..‏‏

مساعدة الأهل‏‏

محمد صلاح الصباغ من حلب طالب في الصف السادس شارك في المعرض بعمل يعتمد على ترشيد إنارة الشوارع وهي مشاركته الأولى، وقال إنه تلقى مساعدة من والده في تأمين بعض الأدوات اللازمة لإنجاز العمل، ومنها الدارات الضوئية والحساسات وغيرها من المستلزمات، ويفكر أن يشارك في الدورة القادمة بعمل جديد.‏‏

الحساب الذهني‏‏

الأخوان مجد ومحمد رشيد قواص شاركا هذا العام بمجال القدرات الذهنية في مجال الرياضيات والحساب الذهني والبرمجة، وهذه ليست المشاركة الأولى لهما في المعرض حيث كان لهما حضور لعدة دورات سابقة، وهي طريقة بسيطة لتعليم الحساب للأطفال ذهنياً بسهولة وسرعة..‏‏

عقبات مادية‏‏

المشرفة الطليعية ريم بوابيجي رأت أن هناك أعمالا تحتاج إلى تكلفة مادية عالية، وقد يصعب على الكثير من أهالي المبدعين تحمل أعبائها، خاصة إذا كان الأمر يحتاج إلى الاستعانة بخبرات هندسية أو ميكانيكية إضافة إلى تكاليف المواد اللازمة لتصنيع العمل، وبالنسبة لأعمال الأطفال يجب أن يكون لها تعامل مختلف في التقييم عن أعمال الكبار من الأساتذة وطلاب الجامعات والمهندسين، ولابد من لحظ الشرائح العمرية للمشاركين، كما يجب وضع شرائح للاختصاصات في تقييم الأعمال وفي منح الجوائز، حيث يمكن تقسيم الجائزة الأولى إلى عدة جوائز بالنظر إلى وجود أعمال متعددة قد تكون تستحق المرتبة الأولى.‏‏

وفي هذا السياق يجب أن يتم إعلام المشارك بالنواقص والثغرات في عمله من قبل لجنة التحكيم ليتمكن من استدراكها في العام القادم وتقديم اختراع متكامل وقابل للاستثمار والاستفادة منه في مختلف مناحي الحياة، كما أنه من الضروري زيادة قيمة الجائزة المقدمة للأطفال، وذلك بالمقارنة مع ما تحصل عليه مشاركات الكبار من جوائز تزيد بأضعاف عن قيمة جوائز الأطفال..‏‏

تحفيز المبدع الصغير‏‏

ولفتت بوابيجي إلى أن مشاركات الأطفال يجب أن تحظى برعاية خاصة وباهتمام وتحفيز، ففي هذا السن يحتاج الطفل لاحتضان وتشجيع أكبر لما لذلك من دور في دفعه قدماً للاستمرار والبحث بشكل مستمر عن تقديم الأفضل وزيادة معارفه وصقلها، والسعي لتطوير مهاراته العلمية والفنية عاماً بعد عام، فهؤلاء هم عدة المستقبل، ويجب الاستفادة من إمكانياتهم الخلاقة وتميزهم، وتوجيهه الاتجاه الصحيح، فالوطن يحتاج لأبنائه المبدعين، ولابد من توفير الظروف المناسبة لهؤلاء حتى لا يفكروا في البحث عن مستقبلهم في بلاد أخرى، وبذلك تكون الخسارة مضاعفة لهم وللبلد.‏‏

إعفاء براءات الاختراع من التكاليف‏‏

أيضاً فيما يتعلق ببراءات الاختراع لابد من لحظ تقديم تسهيلات للمخترع ليتمكن من تسجيل اختراعه والحصول على براءة، ذلك أن الإجراءات الحالية مرهقة جداً وتتطلب تكلفة مادية، فلماذا لا يتم إعفاء المخترع من التكاليف المادية من باب تقديم المساعدة له..‏‏

خاتمة‏‏

تؤكد الصيرورة التاريخية للمجتمعات المتقدمة أن الحامل الأساسي لمختلف أشكال التطور العلمي والمجتمعي والتنموي، هو الإنسان باعتباره مصدراً للقيمة وليس حَاملاً لها، ولهذا كان التركيز دائماً على صناعة الإنسان والاستثمار به، تبعاً للاحتياجات الاستراتيجية لكل مجتمع، وبما ينسجم مع حجم التطلعات الآنية والمستقبلية، وها هي الوقائع تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أي خطوة نحو آفاق أكثر تطوراً تبدأ من الإنسان الذي يفكر ويبدع وينتج، وبالإنسان وصلت المجتمعات إلى ما وصلت إليه من درجات التطور بمختلف المجالات الصناعية والزراعية والتكنولوجية..‏‏

وعليه فإن الاهتمام بإبداعات الأطفال وتطوير إمكاناتهم وصقلها وتبنيها من شأنه أن يحقق المزيد من القيمة المضافة، ويدفع باتجاه توليد خبرات وكفاءات علمية ومعرفية قابلة للتطور والتطوير بما يساهم في تحقيق أهداف التنمية بمختلف مجالاتها، وبأياد وخبرات محلية وطنية دون الحاجة إلى الاعتماد على الآخرين..‏‏

محمود ديبو

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث