ثورة اون لاين :

لم يجد الرئيس السوري الراحل،شكري القوتلي أثمن من البروكار ليقدّمه هدية العام 1947 إلى الملكة إليزابيث الثانية التي طلبت أن يكون فستان زفافها من هذا الحرير المقصّب بالذهب، فأرسل لها مئتي متر من البروكار صنعتها إحدى العائلات الدمشقية العريقة بهذه المهنة.
وأعيدت الكرّة معها عندما لبست فستاناً من القماش ذاته عند تنصيبها ملكة على بريطانيا عام 1952، وهذا الفستان محفوظ في أحد متاحف لندن، وهو مزيّن بطيرين. ولبست منه ملكة ماليزيا وملكة إسبانيا في مناسبات عدة، وبات مقصد أثرياء العالم ونجومه ومشاهيره.

وقبل ملكة بريطانيا فإن الروايات السورية القديمة تذكر أن الملكة ماري أنطوانيت زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا كانت مولعة بالبروكار الدمشقي وكانت خزائنها تضم 72 ثوباً منه عام 1782، قبل قيام الثورة الفرنسية. ولم تكن شهرة البروكار الدمشقي ناتجة عن ولع الملكات والملوك به، بل إن شهرته العريقة والقديمة هي التي دفعت بالملكات إلى اختياره والتعلق والمباهاة به.

 تقول الروايات التاريخية إن أصل البروكار الدمشقي يعود إلى ثلاثة آلاف سنة، حيث كانت خيوطه الحريرية تستورد من الصين، ولاسيما أن دمشق كانت محطة مهمة على طريق الحرير القديم. وفي القرن الماضي وما قبله استخدم الحرفيون السوريون الحرير الذي تنتجه بلدة الدريكيش السورية التي اشتهرت بتربية دودة القز، وتغذيتها بأوراق شجر التوت. ومن ثم كان الحرير المنتج يرسل إلى حلب لمعالجته وبرمه وفتله وتبييضه ثم صبغه حسب الطلب ليكون جاهزاً للنسج في دمشق.

تعتمد صناعة البروكار التقليدية على عنصرين أساسيين: الإنسان الحرفي والنول اليدوي. وفي بداية القرن الماضي كان في سورية حوالي ألف نول يدوي يعمل عليها آلاف الحرفيين، لكن هذه الأنوال تقلصت إلى نول واحد قديم في سوق المهن اليدوية بالتكية السليمانية في دمشق، ونولين آخرين. بينما تقلص عدد العاملين في هذه الحرفة إلى ثلاثة معلمين وعدد من العمال لا يتجاوز العشرة؛ فلماذا تراجعت حرفة البروكار الدمشقي ذات الصيت العالمي؟

يقول حرفيون عاملون في هذه المهنة إن تبدل الأزياء أثر على صناعة البروكار، ولاسيما أنه قماش مرتفع الثمن، نظراً لحياكته يدوياً، ولا ينتج الحرفي الماهر أكثر من متر واحد من هذا القماش في اليوم، وبالتالي فإن إنتاجه قل كثيراً بانخفاض عدد الحرفيين والأنوال. إلا أن الضربة الموجعة التي تلقتها حرفة نسيج البروكار كانت على يد المهندس الفرنسي جاكار الذي زار دمشق أيام الانتداب الفرنسي على سورية، واطلع على نول دمشقي قديم ورسم تفاصيله، ثم عاد إلى فرنسا ليصنع آلة نسيج سميت باسمه “ماكينة جاكار”

النخبة الأوروبية لا تزال تقدر وتعرف قيمة البروكار الدمشقي المصنع يدوياً، فهو قد غزا أوروبا وكان يعرف باسم “دامسكو” نسبة إلى دمشق، ثم عرف في إيطاليا باسم “بروكاتلو” والذي تحول بالفرنسية إلى “بروكار” ليشير إلى هوية هذا الإبداع السوري الذي يعني اختصاراً قماشاً مصنعاً يدوياً من الحرير الطبيعي ومطرزاً بخيوط ذهبية أو فضية.

ويلاحظ أن غالبية السياح الأوروبيين الذين يأتون دمشق يسألون عن “البروكار” ويتوقون لرؤية النول اليدوي الذي ينسجه.

وانتقل هذا الاهتمام من مستوى الأفراد إلى مـستوى الدول، فقد استضافت فرنسا أحد معلمي صناعة البروكار الدمشـقي أحمد شـكاكي لمدة ثلاثة أشهر مع نوله اليدوي، حيث أذهل الفرنسيين بما كان ينسـجه، ولديه دعوة حاليا لتكرار التجربة لمدة سبعة أشهر.

كما أن بعض النخب العربية تعرف قيمة البروكار وتقدره، فقد استضافت دولة عربية المعلم شكاكي مع نوله، وعمل هناك بإنتاج البروكار الدمشقي لصالح أحد القصور الرسمية.

 “وشاح أمية”، وهو أرفع وسام رئاسي سوري هو من البروكار الدمشقي الموشى بالذهب والمصنوع يدوياً، كما أن أرائك مجلس الشعب السوري ومقاعد قاعات الشرف في مطار

دمشق الدولي مصنوعة يدوياً وعلى النول الدمشقي القديم. وهو ما يشير إلى أن هناك أنواعاً من البروكار، الخفيف (وزناً) يستخدم للأزياء، ولاسيما للعرائس وملابس السهرة، والوسط يستخدم لصناعة السترات، أما الثقيل منه (وزناً) فيستخدم للمفروشات.

وفي المحصلة فإن الزمن لا يعود إلى الوراء، لكن البروكار الدمشقي المنسوج يدوياً لا يزال صامداً بألوانه الساحرة ونقوشه الشرقية ومطرزاته الذهبية والفضية، وهو يقاوم من أجل البقاء والاستمرار، يدعمه في ذلك حماة التراث وعشاق الإبداع الدمشقي.

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث