ثورة اون لاين – نهى علي:
أعد خبير زراعي مخضرم ورقة تستحق التصنيف تحت عنوان "إنقاذي" من أجل النهوض بالقطاع الزراعي و إعادة دوره الأساسي والمحوري في المضمار التنموي المحلي، على اعتبار سورية بلد الخصوصيات النسبية والميزات المطلقة التي يحفل بها هذا القطاع الإستراتيجي.
و لخّص الدكتور نور الدين منى وزير الزراعة الأسبق والخبير الاستشاري في "إيكاردا"، رؤيته بستة مقترحات كخطوط عريضة و أساسية، أولها تطبيق الزراعة التي تعتمد على الميزة النسبية والانتقال إلى الزراعة التنافسية، وثانيها تطبيق صارم للقوانين الناظمة للإدارة المستدامة للموارد، وثالثها تعزيز برامج التنمية الريفية المتوازنة وتحقيق تكامل النشاطات الاقتصادية والزراعية في الريف، أما رابعها فهو توطين مؤسسات مالية متطورة للإقراض والتأمين والدعم الزراعي.
ويركز المقترحان الأخيران على ضرورة إعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة بالصورة القصوى، وتقديم جميع المحفزات الممكنة لعودة الفلاحين إلى أراضيهم ومعاودتهم للعمل فيها وزراعتها بالمحاصيل والمنتجات الرئيسية لحياة ومعيشة المواطن اليومية وبما يناسب مستويات الدخل.
ويرى الخبير منى إن الزراعة ذات الميزة التنافسية تركز على تنافسية الحصول على الموارد الطبيعية بتكلفة منخفضة مثل توفر (مصدر طاقة للزراعة منخفض التكلفة، وكذلك الموقع الجغرافي المناسب للعملية الإنتاجية، وتأمين المهارات الفنية للإنتاج)، بحيث يتميز المنتج الزراعي بـ “ميزة التكاليف المنخفضة وميزة النوعية”، وهذا يتطلب العمل لاستدامة الميزة التنافسية التي تشمل في مكوناتها (جودة التسويق، وآلية القدرة على تخفيض التكاليف)، بالمختصر تعني “تكلفة أقل، وتمييز المنتج، واختصار الوقت والكفاءة”.
والهدف من القدرة التنافسية برأيه، هو تنمية الصادرات الزراعية، لكون أهمية الميزة النسبية في الزراعة تكمن بالتركيز على الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية المتاحة لهذا المحصول أو ذاك، في منطقة معينة مناسبة لزراعته أكثر من منطقة أخرى للحصول على أفضل إنتاج ونوعية، موضحاً أن المفهوم أعلاه يقوم على مبدأ قدرة البلد على إنتاج السلعة بكفاءة عالية باستخدام رأس المال والأرض والعمالة، أي إن الميزة النسبية لإنتاج محصول ما أن يكون الإنتاج بأقل التكاليف الممكنة وبأفضل كمية ونوعية، لافتاً إلى أن سورية قد تتمتع بميزة نسبية في إنتاج البرتقال، والقمح، والفستق الحلبي، والبقوليات وغيرها من منتجات، لكنها قد تفتقد القدرة على التنافسية في الأسواق العالمية أو العربية…!؟
وحدد الخبير خمس مشكلات رئيسة يواجهها القطاع الزراعي ولا تزال أيضاً دون حل وهي: تفتت الحيازات الزراعية وخاصة المتعلقة بتجزئة الحيازة بسبب الإرث وندرة الأراضي الزراعية، وارتفاع أسعارها مع انخفاض العوائد الاقتصادية من استثمارها؛ واستمرار الزراعة التقليدية الموروثة وعدم تطبيق مفهوم الحزمة التكنولوجية المتكاملة؛ يضاف إليها صعوبة اقتناء التقنيات الزراعية لارتفاع أسعارها؛ وعدم إمكانية تحقيق الكفاءة من تشغيلها في ظل صغر حجم الحيازة، وتسبب ذلك في انخفاض الخصوبة وتملح بعض الأراضي وتدني إنتاجيتها؛ وأخيراً تعدد الجهات المسؤولة عن قطاع الزراعة والري وضعف آليات التنسيق فيما بينها يؤدي إلى عدم تحقيق الكفاءة الممكنة من إدارة استثمار الموارد الأرضية والمائية.
ويرى الدكتور منى أن سوء إدارة عجلة النمو الاقتصادي أدت إلى أضرار بيئية خطيرة، مشيراً إلى أن عملية تدهور التربة والتصحر والتملح والتلوث من المشكلات البيئية الخطرة، الناجمة عن الأنشطة غير المدروسة من خلال استغلال الموارد الطبيعية لتأمين الغذاء للإنسان والأعلاف للحيوان، حيث قدرت المساحة المتدهورة من الأراضي بنحو 59% من مساحتها الكلية، وهذا بدوره أدى إلى ظهور مشكلات عديدة مثل التصحر وتناقص الغطاء النباتي الطبيعي، ومنها ما يحدث في البادية السورية من رعي جائر واستنزاف نتيجة لزيادة الحمولة الرعوية وما ينجم عن ذلك من مشكلات اقتصادية واجتماعية وبيئية، لم يتم تحديد فاتورتها الباهضة بعد وربما لا يتم..! في الوقت ذاته الذي يهدد ‏التصحر مساحات واسعة من الأراضي السورية نتيجة الانجراف المائي والريحي مما يسبب تدهوراً في التربة. ‏
ورغم كل ما تقدم لم تزل طرق الري التقليدية في معظم مناطق الزراعات قائمة على استنزاف كميات كبيرة من المياه في منطقة الفرات وسهل الغاب، ما يؤدي إلى غرق التربة وسوء صرف المياه الزائدة وينتج عن ذلك زيادة ملوحة التربة، إذ يتأثر بهذه المشكلة نحو 85 ألف هكتار في سهل الغاب والروج ومناطق المنخفضات في سهل عكار والقنيطرة وطرطوس واللاذقية.
أشار منى إلى أن هناك مظاهر كعدم القدرة على حماية المصادر المائية والتربة الزراعية وتنامي العشوائيات، وتشكيل دمشق مركز شبكة طرقية تجذب بدورها النشاطات السكنية والصناعية.. إلخ، تشير إلى حدوث خلل في عملية التخطيط، والتي غالباً لم تأخذ النواحي البيئية بالاعتبار، بينما أخذت النواحي الاقتصادية والتنموية، لذلك بقي التخطيط البيئي لاستعمالات الأراضي – رغم أهميته القصوى – دون المستوى والطموح والضرورة، علماً أن عملية الحصول على معلومات وبيانات عن استعمالات الأراضي، إضافة إلى دراسة العمليات الزراعية والعمرانية والمشكلات البيئية، تعد من الضروريات الرئيسة للمخططين ومتخذي القرار لوضع سياسات استعمال أفضل وخطط استثمارية تخدم الاقتصاد والتنمية..!
 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث