ثورة اون لاين – نهى علي:
تتسارع المساعي الحكومية باتجاه بلورة رؤية متكاملة لـ "سورية ما بعد الأزمة" ، ورغم أن الملف والمهمة موكلة إلى هيئة التخطيط والتعاون الدولي ، إلّا أن ثمة جهود قطاعية أنتجت رؤاها المتخصصة التي تتصل بالمهمة الأساس في بعدها العام المتكامل.
في هذا السياق أنجزت وزارة الأشغال العامة والإسكان وبالتنسيق مع هيئة التخطيط الإقليمي مشروع الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي الذي يمثل الوثيقة الأكثر استراتيجية على مستوى التخطيط الوطني المكاني، ويشكل هذا المشروع - بحسب وزير الأشغال المهندس حسين عرنوس - أداة حيوية في إنجاز تخطيط إقليمي يعي المسائل الوطنية الكلية، ويراعي الاعتبارات الناجمة عن تموضع سورية الجيو استراتيجي، والعلاقة الإقليمية وفق رؤية ربط البحار الخمسة، إلى جانب تحديد الأقاليم التخطيطية للقطر، وعلاقة سورية مع دول الجوار.
ويوضح عرنوس في تصريح إعلامي ، أن الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي يقوم على تحديد أبرز محددات التنمية الوطنية في الجوانب الصناعية والتجارية والزراعية، بهدف تأمين استدامة الموارد المستنضبة، والفرص التي من شأنها تعزيز التنمية الوطنية عبر الإدارة الواعية للحيز المكاني، مشيراً إلى أن الإطار الوطني يتناول مسائل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وينحو بالاستثمارات الحكومية نحو نموذج تنموي أكثر عدالة، وأكد عرنوس ضرورة وضع رؤية تخطيط تنموية مكانية شاملة، وذلك بالتعاون بين خبراء وكوادر الهيئة، مع الجهات المعنية المختلفة، لافتاً إلى أنه تمت مراجعة هذا الإطار نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد، حيث أفرزت هذه المراجعة الحاجة إلى تعديل بعض التوجهات التخطيطية التي عملت الهيئة على استدراكها خلال الفترات الماضية.
وبحسب التقرير الذي أعدته الهيئة فإن مكونات الإطار الوطني تتمثل بالعلاقة الإقليمية المبنية وفق رؤية البحار الخمسة، وأهداف الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي، وتحديد الأقاليم التخطيطية السورية، إضافة إلى روابط سورية فوق الإقليمية ولاسيما في قضايا المياه والنقل والطاقة، إلى جانب الملامح العامة للواقع السكاني وتطوره المستقبلي، مع الاعتبارات الاقتصادية المؤثرة في التنمية المكانية الوطنية.

رئيس الهيئة حسن جنيدان كان أكد في تصريحات سابقة ، أن الإطار الوطني يعتبر أن التعيين العلمي للأقاليم التخطيطية السورية من أبرز الأهداف الاستراتيجية له، وأن الأقاليم السبع المعتمدة والتي حازت على موافقة المجلس الأعلى للتخطيط الإقليمي تستهدف إيجاد مجالات مكانية متجانسة تخطيطياً ولا تؤدي بالضرورة إلى تأثير على البنية الهيكلية الإدارية المعتمدة وطنياً من خلال مستويات الإدارة المحلية.
وأوضح جنيدان أن الإطار الوطني اعتمد عدداً من المعايير والتوجهات التي أفضت لخريطة تعيين الأقاليم التخطيطية النهائية، وتتمثل هذه المعايير بمراعاة المعطيات الطبيعية من تضاريس وبيئات مناخية وتوزع مناطق الرطوبة والهطولات المطرية، إضافة إلى المقتضيات التنموية التي تقتضي أن يتمتع النطاق الجغرافي المشكل للإقليم بواقع تنموي متقارب يمكن التخطيط الإقليمي من وضع استراتيجيات منطقية للجماعة البشرية التي تنشط عليه، إلى جانب المعيار العمراني والمدينة المركزية في الإقليم، وهنا من الضروري أن يحتوي الإقليم مركزاً عمرانياً أساسياً على الأقل يرتبط بسلسلة من المراكز العمرانية الداعمة التي لا تدع في الإقليم موقعاً نائياً بعيداً عن مركز عمراني رئيسي يضم الخدمات الحيوية، فضلاً عن معيار الحدود الإدارية، وله أهمية خاصة ما جعله شرطاً محدداً لا يمكن تجاوزه، إذ يقتضي وجود بعد إداري لحدود الإقليم، ونظراً للطبيعة شديدة التناقض للمناطق الجغرافية والتنموية والسكانية التي تتضمنها المحافظة تم الاعتماد على شبكة الحدود الإدارية ذات المقياس الأصغر.
وطرح جنيدان نموذجاً عن الأقاليم السبعة المقترحة، وهو إقليم دمشق الذي يواجه تحديات إقليمية، منها الاستقطابية الشديدة لمدينة دمشق إدارياً واقتصادياً، وتدهور الموارد الطبيعة، وتلوث الهواء، وزحف العمران على الأراضي الخضراء، كما يعاني من ضعف منظومة التنمية العمرانية في المحيط الحيوي لمدينة دمشق، والنشاط العمراني العشوائي خارج المخططات التنظيمية، وتدهور البيئة الطبيعية والزراعية والعمرانية في مناطق الاصطياف “شمال غربي دمشق”، مشيراً إلى أن الاستجابات الإقليمية لإقليم دمشق يجب أن تكون في تخفيف استقطابية المدينة، وتعزيز الدور الخدمي والاقتصادي للمدن التابعة، وتخطيط المنطقة الحضرية المتدرجة بصورة متكاملة من قلب المدينة حتى الأطراف، مع السعي الحثيث للمحافظة على ما تبقى من أراضي الغوطتين، ووادي بردى، وسهل الزبداني، ووادي العجم، إضافة إلى وضع منظومة متكاملة للنقل بين المركز والمحيط الحيوي، والارتقاء بالدور الإقليمي على المستوى الوطني الخدمي والاقتصادي، منوهاً إلى أن رؤية الإقليم تصبو لاحتضان الصناعات الحيوية وفق أعلى السبل التقنية، وكذلك احتضان خدمات تنافسية على المستوى الوطني، على أن يحافظ على تراثه الطبيعي والثقافي ويعمل على ترميمه.
وركز جنيدان على ضرورة إحداث مشاريع ومبادرات تضمن إعادة ترتيب الشروط الإدارية بما يستدعي ويمهد للعمل على حل الاستعصاءات الإدارية والتخطيطية الناجمة عن الرتيب الإداري الراهن، والتركيز في الإقليم على الارتقاء النوعي بالصناعات والخدمات والقطاعات الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية والبشرية، وتخفيف جاذبية الإقليم للاستثمارات المشتتة، وتفعيل دور بعض المناطق كأقطاب إدارية، وربط المدينة المركزية بالتجمعات العمرانية الواقعة في المحيط الحيوي فيما بين مراكزها عبر وسائط النقل الجماعي المتقدمة، وتفعيل مشاريع النقل الجماعي الثقيل في المدينة المركزية، والحد من نمو الصناعات التحويلية والصناعات الملوثة في الإقليم، والتركيز على الصناعات الجديدة المرتكزة على البحث والابتكار، وإفساح المجال أمام المشاريع التنموية في عدد من المناطق الواقعة في المحيط البعيد عن دمشق.

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث