ثورة أون لاين:

علي الأحمد:

كم كان الزمن الجميل كريماً معنا لأبعد الحدود ،أغدق علينا عطاياه وهداياه النبيلة ،على أكثر من صعيد ،فمن بدء الكلمة ومنتهاها ،الى عذوبة اللحن وتجلياته التعبيرية المديدة ،وصولا الى جمالية و سحر الأداء المموسق لأصوات غنائية كبيرة بكل ماتحمل الكلمة من معنى ارتشفنا هذه القطوف الدانية لزمن ابداعي وصلت فيه موسيقانا العربية الى ذراها الجمالية والذوقية ،عبر صحبة فنية اجتمعت على تأطير هذا الفن ضمن دوره الانساني النبيل ورسالته الجليلة في التعبير عن قضايا الوطن والانسان مهما كانت العقبات والموانع .
- زكريا أحمد الموسيقار الأصيل ،كان أحد أفراد هذه السلالة النادرة في الابداع والعطاء الموسيقي الخالد ،ساهم بقسط وافر من جماليات اللغة الموسيقية العربية في القرن الماضي ،عبر مسيرة فنية ممتدة ،بقي عبرها وفياَ لروح اللحن العربي ولهويته الموسيقية الوطنية ،فلم يصاب بلوثة التغريب والتقليد ،شأن الكثيرين ممن اندفعوا الى محافل التقليد وإنكار الذات في حضرة الآخر المختلف ، من دون ادراك أو وعي ،بل نراه الأكثر تعصبا لهويته الموسيقية العربية من مجايليه ورفاق الدرب الموسيقي ،كان تعصبه وموقفه من أصالة وعروبة موسيقاه اشبه مايكون بحالة مرضية لاشفاء منها ،مع أنه التمس روح الحداثة والتجديد في تأثر واضح من صديقه الشيخ سيد درويش الذي التقاه في الاسكندريه وتاثر بمساره التلحيني المختلف ،خاصة في مجال تلحين الروايات المسرحية والغنائية ،فورثه بعد وفاته في هذا المجال الابداعي الذي يتطلب جهدا ومعرفة وثقافة موسوعية شاملة ،كما ورث صديق عمره الشاعر المبدع "بيرم التونسي "صاحب الرصيد الابداعي في الكتابة المسرحية والأزجال والاغاني الرائعة ،لتستمر رحلة الابداع الخالد مع مشوار طويل وحافل من الأعمال الرائعة بحق ،ولعل الشيخ زكريا هنا كان وكما تذكر المراجع والنقاد من اكثر الملحنين العرب الذين خاضوا غمار التلحين للمسرح الغنائي في الحان بلغت حوالي خمسمائةٍ وثمانين لحناَ ،وهو رقم كبير بكل المقاييس والمعايير النقدية ،توزعت على عدد من الفرق المسرحية آنذاك ،من اشهرها فرقة "علي الكسار " حوالي ثلاثون مسرحية منها : الغول من كلمات بديع خيري ،ناظر الزراعة ،من كلمات أمين صدقي ،الخالة الأمريكانية ،لحامد السيد ،آخر مودة ،لبديع خيري ، الكنوز لبديع خيري ،زهرة الربيع ،لحامد السيد وغيرها ،اما لفرقة زكي عكاشة ،فقدم لها ثلاث مسرحيات هي : علي بابا ،من كلمات الأديب توفيق الحكيم ،والاستاذ والحساب لبديع خيري ،ولفرقة منيرة المهدية ،اربع مسرحيات منها الاميرة الهندية وجيوكندا لبديع خيري ،ولفرقة عزيز عيد وفاطمة رشدي سبع مسرحيات منها بدر البدور لبديع خيري ،السكرتير لحامد السيد وغاية المنى لبديع خيري وغيرها ،اما لفرقة نجيب الريحاني فقدم ثلاث مسرحيات :ياسمين وانا وانت والدنيا جرى فيها إيه وجميعها للشاعر بديع خيري ،وغيرها من فرق مسرحية تابع من خلالها الشيخ زكريا مسيرة صديق عمره الشيخ سيد خاصة في تناول الصور الشعبية الموحية ،كما في قراءة المجتمع المصري ونقده بشكل بنّاء في سبيل التغيير المنشود .
- وكان لدخول الفن السينمائي الى مصر أن وفر الأرضية الخصبة لابداع الرواد المؤسسين في الموسيقى العربية ،وهو ما أثر بشكل كبير في صعود الفيلم الغنائي على حساب المسرح الغنائي ،حيث يعتبر الشيخ زكريا أيضا من اكثر الملحنين في تقديم الالحان للسينما المصرية والعربية عموما ،وهو على كل حال كان سباقا في هذا المجال فقدم الحانه لأول فيلم مصري " أنشودة الفؤاد " من تأليف عباس محمود العقاد ،وغناء المطربة نادرة عام 1932 ، شارك في تلحين اغنيات سبعةٍ وثلاثين فيلما ،في الحان بلغت إحدى وتسعين أغنية ،من اشهرها : وداد ،من تمثيل ام كلثوم واحمد علام ،نشيد الأمل ،ام كلثوم وزكي طليمات ،ليلى بنت الريف ،ليلى مراد ويوسف وهبي ،دنانير ،ام كلثوم وسليمان نجيب ،الشريد ،حسين رياض وزكي رستم ،عايدة ،ام كلثوم وابراهيم حمودة ،سلاّمة ام كلثوم ويحيى شاهين ،اميرة الاحلام نور الهدى ومحسن سرحان ،نور من السماء فاتن حمامة ومحمود اسماعيل ،فاطمة ام كلثوم وانور وجدي ،انا وحدي سعاد محمد وعبد الرحيم الزرقاني ،وغيرها من افلام تربع فيها الشيخ زكريا على عرش الاغنية السينمائية بموهبته الخلاقة وجمال واصالة الحانه التعبيرية المذهلة بحق ،والاهم كما يرتأي العديد من النقاد بروز العنصر الانفعالي الدرامي التي تتميز بها اغلب الحانه الذي يقارب الأسلوب الغربي في التتالي " sequences" كما يرى المايسترو سليم سحاب ،وهو اسلوب ترداد فقرة موسيقية على درجة أعلى أو أخفض ،مثنى وثلاث ،حتى بلوغ ذروة الانفعال كمانرى في روائعه ياحلاوة الدنيا ،وياصلاة الزين ،والورد جميل ، وياويل عدو الدار وغيرها . يكفي ان نذكر هنا وفي هذه العجالة اشهر واجمل الحانه في هذا المجال لندرك مدى عبقريته وتفرده في التلحين المبني على تقاليد ومفردات الهوية الموسيقية العربية دون إبهار او تصنع ،ليؤسس بالتالي لفن الطقطوقة المتنوعة الاغصان ويطور في الدور كما نرى في روائعه : اللي حبك ياهناه ،وجمالك ربنا يزيده ،العزول فايق ورايق ،مالك ياقلبي حزين ،وغيرها ،اما الأدوار فقد لحن الشيخ زكريا العديد منها من اشهرها ادواره التسع لام كلثوم منها : ياقلبي كان مالك ،من كلمات يحيى محمد ،ياللي تشكي م الهوى ،من كلمات احمد رامي ،إمتى الهوى ييجي سوا ،من كلمات يحيى محمد ،وماكانش ظني في الغرام ،من كلمات يحيى محمد ،ولم يتوقف عطاء هذا الكبير عند ذلك بل نراه يبدع اجمل الالحان الغنائية لمطربين كبار نذكر منها : حبيبي يسعد اوقاته والآهات وانا في انتظارك الأوّلة في الغرام وحلم وهو صحيح الهوى غلاب وجميعها من كلمات المبدع بيرم التونسي ،لام كلثوم ،ولحن العديد من الموشحات الخالدة منها يارشيق القوام ،وقد حركت ايدي النسيم ،وسلو الندمان عن حبي ،وزارني والليل حالك ،غنى له ايضا عبد اللطيف البنا ،وصالح عبد الحي ،وزكي مراد ،واسمهان ،وفتحية احمد ،وليلى مراد ،ومنيرة المهدية ،ومحمد قنديل ونجاة الصغيرة ،ونجاح سلام وغيرهم من مطربات ومطربين نهلوا من هذا النبع الفياض اجمل واعذب الألحان الخالدة بحق . يقول الباحث الدكتور " فكتور سحاب " في كتابه المرجع " السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة ": إن زكريا أحمد يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة .واول مايخطر ببال مصنفيه ،أنه محافظ يعاند التطوير والتبديل .وهذا في الواقع تصنيف غير دقيق .فالشيخ زكريا طور شكلين من اهم أشكال الغناء العربي ،وأسهم في تطوير أشكال اخرى .لكن تطويره لم يمس آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية او الايقاعات .فأسس تطويره على ملامح عربية أصيلة ،فحفظ المضمون وبدّل في الأشكال ،منطلقاً من الأشكال الأصيلة . ولذا قد يهمُ الناس في جعله رجعياً في الفن ،وهو خلاف ذلك .

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث